عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ المظفر

 

 

 

عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية

 

عرف آل البيت عليهم السلام بحرصهم على بقاء مظاهر الإسلام، والدعوة إلى عزته، ووحدة كلمة أهله، وحفظ التآخي بينهم، ورفع السخيمة من القلوب، والأحقاد من النفوس.

ولا ينسى موقف أمير المؤمنين عليه السلام مع الخلفاء الذين سبقوه، مع توجده عليهم واعتقاده بغصبهم لحقه، فجاراهم وسالمهم بل حبس رأيه في أنه المنصوص عليه بالخلافة، حتى أنه لم يجهر في حشد عام بالنص إلا بعد أن آل الأمر إليه فاستشهد بمن بقي من الصحابة عن نص (الغدير) في يوم (الرحبة) المعروف.

وكان لا يتأخر عن الإشارة عليهم فيما يعود على المسلمين أو للاسلام بالنفع والمصلحة وكم كان يقول عن ذلك العهد: "فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما". كما لم يصدر منه ما يؤثر على شوكة ملكهم أو يضعف من سلطانهم أو يقلل من هيبتهم، فانكمش على نفسه وجلس حلس البيت، بالرغم مما كان يشهده منهم.

كل ذلك رعاية لمصلحة الإسلام العامة، ورعاية أن لا يرى في الإسلام ثلما أو هدما، حتى عرف ذلك منه، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يقول ويكرر القول: "لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن" أو "لولا علي لهلك عمر".

ولا ينسى موقف الحسن بن علي عليه السلام من الصلح مع معاوية بعد أن رأى أن الاصرار على الحرب سيديل من ثقل الله الأكبر ومن دولة العدل بل اسم الإسلام إلى آخر الدهر، فتمحى الشريعة الإلهية ويقضى على البقية الباقية من آل البيت، ففضل المحافظة على ظواهر الإسلام واسم الدين، وإن سالم معاوية العدو الألد للدين وأهله والخصم الحقود له ولشيعته، مع ما يتوقع من الظلم والذل له ولاتباعه وكانت سيوف بني هاشم وسيوف شيعته مشحوذة تأبى أن تغمد، دون أن تأخذ بحقها من الدفاع والكفاح، ولكن مصلحة الإسلام العليا كانت عنده فوق جميع هذه الاعتبارات.

وأما الحسين الشهيد عليه السلام فلئن نهض فلأنه رأى من بني أمية إن دامت الحال لهم ولم يقف في وجههم من يكشف سوء نياتهم، سيمحون ذكر الإسلام ويطيحون بمجده، فأراد أن يثبت للتاريخ جورهم وعدوانهم ويفضح ما كانوا يبيتونه لشريعة الرسول، وكان ما أراد.

ولولا نهضته المباركة لذهب الإسلام في خبر كان يتلهى بذكره التاريخ كأنه دين باطل، وحرص الشيعة على تجديد ذكراه بشتى أساليبهم إنما هو لإتمام رسالة نهضته في مكافحة الظلم والجور ولإحياء أمره امتثالا لأوامر الأئمة من بعده.

وينجلي لنا حرص آل البيت عليهم السلام على بقاء عز الإسلام وإن كان ذو السلطة من ألد أعدائهم، في موقف الإمام زين العابدين عليه السلام من ملوك بني أمية، وهو الموتور لهم، والمنتهكة في عهدهم حرمته وحرمه، والمحزون على ما

صنعوا مع أبيه وأهل بيته في واقعة كربلا، فإنه - مع كل ذلك - كان يدعو في سره لجيوش المسلمين بالنصر وللاسلام بالعز وللمسلمين بالدعة والسلامة، وقد تقدم أنه كان سلاحه الوحيد في نشر المعرفة هو الدعاء، فعلم شيعته كيف يدعون للجيوش

الإسلامية والمسلمين، كدعائه المعروف ب‍ (دعاء أهل الثغور) الذي يقول فيه: "اللهم صل على محمد وآل محمد، وكثر عددهم، واشحذ أسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم، وألف جمعهم ودبر أمرهم، وواتر بين ميرهم، وتوحد بكفاية مؤنهم، واعضدهم بالنصر، وأعنهم بالصبر، والطف لهم في المكر" إلى أن يقول -بعد أن يدعو على الكافرين-: "اللهم وقو بذلك محال أهل الإسلام، وحصن به ديارهم، وثمر به أموالهم، وفرغهم عن محاربتهم لعبادتك، وعن منابذتهم للخلوة بك، حتى لا يعبد في بقاع الأرض غيرك، ولا تعفر لأحد منهم جبهة دونك" وهكذا يمضي في دعائه البليغ -وهو من أطول أدعيته- في توجيه الجيوش المسلمة إلى ما ينبغي لها من مكارم الأخلاق وأخذ العدة للأعداء، وهو يجمع إلى التعاليم الحربية للجهاد الاسلامي بيان الغاية منه وفائدته، كما ينبه المسلمين إلى نوع الحذر من أعدائهم وما يجب أن يتخذوه في معاملتهم ومكافحتهم، وما يجب عليهم من الانقطاع إلى الله تعالى والانتهاء عن محارمه، والاخلاص لوجهه الكريم في جهادهم.

وكذلك باقي الأئمة عليهم السلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم، وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل بكل قساوة وشدة، فإنهم لما علموا أن دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم وتوجيه أتباعهم التوجيه الديني العالي.

وكل الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين وغيرهم لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلها مخالفة صريحة لأوامرهم وتشديداتهم، فإنهم كانوا أحرص على كيان الدولة الإسلامية من كل أحد حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم.
وكفى أن نقرأ وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لشيعته "لا تذلوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلا فاسألوا الله بقاه، وإن كان جائرا فاسألوا الله إصلاحه، فإن صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم فأحبوا له ما تحبون لأنفسكم، وأكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم".

وهذا غاية ما يوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبوا له ما يحبون لأنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها. وبعد هذا، فما أعظم تجني بعض كتاب العصر إذ يصف الشيعة بأنهم جمعية سرية هدامة. أو طائفة ثوروية ناقمة.

صحيح إن من خلق الرجل المسلم المتبع لتعاليم آل البيت عليهم السلام بغض الظلم والظالمين والانكماش عن أهل الجور والفسوق، والنظرة إلى أعوانهم وأنصارهم نظرة الاشمئزاز والاستنكار، والاستيحاش والاستحقار، وما زال هذا الخلق متغلغلا في نفوسهم يتوارثونه جيلا بعد جيل، ولكن مع ذلك ليس من شيمتهم الغدر والختل، ولا من طريقتهم الثورة والانتفاض على السلطة الدينية السائدة باسم الإسلام، لا سرا ولا علنا، ولا يبيحون لأنفسهم الاغتيال أو الوقيعة بمسلم مهما كان مذهبه وطريقته، أخذا بتعاليم أئمتهم عليهم السلام، بل المسلم الذي يشهد الشهادتين مصون المال محقون الدم، محرم العرض "لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه" بل المسلم أخو المسلم عليه من حقوق الأخوة لأخيه ما يكشف عنه البحث الآتي.