عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ المفيد / مصادر الشيخ المفيد

 

 

- المسائل العكبرية - الشيخ المفيد ص 34 : -

المسألة الخامسة

قال السائل : والأنبياء عندنا معصومون كاملون ، فما بال موسى عليه السلام ( كان ) (1) تلميذا للخضر (2) وهو أعلى منه ، ثم أنكر على الخضر (3) فعله والحق فيه ؟

الجواب - وبالله التوفيق - أن موسى (4) اتبع الخضر قبل أن ينبأ ويبعث ، وهو إذ ذاك يطلب العلم ويلتمس الفضل فيه . فلما كلمه الله وانتهى من الفضل في العبادة والعلم إلى الغاية التى بلغها ، بعثه الله تعالى رسولا واختاره كليما نبيا . وليس اتباع الأنبياء العلماء قبل نبوتهم قدح فيهم ولا منفر (5) عنهم ، ولا شين لهم ولامانع من بعثتهم واصطفائهم .


ولو كان موسى عليه السلام اتبع الخضر (6) بعد بعثتة لم يكن ذلك أيضا قادحا في نبوته ، لأنه لم يتبعه لاستفادته منه علم شريعته ، وإنما اتبعه ليعرف باطن أحكامه التى لا يخل فقد علمه بها لكماله (7) في علم ديانته .


وليس من شرط الأنبياء عليهم السلام أن يحيطوا بكل علم ، ولا أن يقفوا على باطن كل ظاهر . وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله (8) أفضل أن النبيين وأعلم المرسلين ، ولم يكن محيطا بعلم النجوم ، ولا متعرضا لذلك ولا يأتى منه قول الشعر ولا ينبغى له .


وكان أميا بنص التنزيل ولم يتعاط معرفة الصنائع (9) ولما أراد المدينة (10) . استأجر دليلا على سنن الطريق . وكان يسأل عن الأخبار ويخفى عليه منها ما لم يأت به إليه صادق من الناس ، فكيف (11) ينكر أن يتبع

  * هامش *  
 

(1) - اثبتناها عن رض لاقتضاء ، السياق .
(2) - رض : + عليه السلام .
(3) - " اعلى الخضر " ساقطة من رض .
(4) - رض ، مل : + عليه السلام .
(5) - رض ، مل : تنفير .
(6) - رض : + عليه السلام .

(7) - رض ، مل : فقد علمه بكماله .
(8) - حش : عليه وآله الصلاة والسلام . رض : عليه وآله السلام .
(9) - رض ، مل : + والمهن .
(10) - رض ، مل : الله ، هو تصحيف من الناسخ .
(11) - رض ، مل : فلا .

 

 

- ص 35 -

موسى (1) عليه السلام الخضر (2) بعد نبوته ليعرف بواطن الأمور ، فيما (3) كان يعلمه مما أورده . الله سبحانه بعلمه ، من كون ملك يغصب السفن ، وكنز في موضع (4) من الأرض ، وطفل إن بلغ كفر وأفسد (5) ، وليس عدم العلم بذلك نقصا ولا شيئا و لا موجبا لانخفاض عن رتبة نبوة (6) وارسال .


وأما إنكاره عليه السلام خرق السفينة وقتل ( 4 و ) الطفل فلم ينكره . على كل حال ، وإنما أنكر الظاهر منه يعلم باطن الحال منه . وقد كان منكرا في ظاهر الحال وذلك جار مجرى قبول الأنبياء عليهم السلام شهادات العدول في الظاهر وإن كانوا كذبة في الباطن وعند الله ، وإقامة الحدود بالشهادات وإن كان المحدودون برآء في الباطن وعند الله .

وهذا أيضا مما لا يلتبس (7) الأمر فيه على متأمل له من العقلاء .


المسألة السادسة

وسأل عن تول أمير المؤمنين عليه السلام في دعائه على القاعدين عن نصرته من جنده : " اللهم أبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بى شرا منى " (8) . فقال : ما وجه هذا الكلام ولم يكن عليه السلام شريرا ولا كانواهم أخيارا ؟ وكيف يسأل الله أن يبدلهم به شريرا ، والشر ليس من الله ؟


والجواب - وبالله التوفيق - أن العرب تصف الإنسان بما يعتقده في نفسه وإن كان اعتقاد . ذلك باطلا ، وتذكر انفسها بما هي على خلافه لاعتقاد المخاطب فيها ذلك . ولما ذكرنا نظائر في القرآن وأشعار العرب الفصحاء .

  * هامش *  
 

(1) - حش ، مل : + عليه السلام .
(2) - رض . + عليه السلام
(3) - في الأصل وحش : فما صححنها عن رض ومل .
(4) - " في موضع " ساقطة من رض ومل .
(5) - حش : فسد

(6) - رض : لانخفاض رتبته عن نبوة .
(7) - رض " مل : لايبلس .
(8) - نهج البلاغة ، الخطبة 25 : اللهم إنى قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني ، فأبدلنى بهم خيرا منهم
(9) رض ، مل : فيه .
 

 

- ص 36 -

قال الله عزاسمه : " ذق إنك أنت العزيز الكريم " (1) ولم يكن كذلك بل كان ذيلا لئيما ، فوصفه بضد ما هو عليه لاعتقاده ذلك في نفسه ، واعتقاد من اعتقد فيه ذلك (2) .

وقال حكاية عن موسى عليه السلام ، فيما خاطب به السامري : " وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا " (3) ، ولم يرد إلهه في الحقيقة الذى هو الله عزوجل ، وإنما أراد إلهه في اعتقاده .


وقال حسان بن ثابت يرد على أبى سفيان فيما هجا به النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم : أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء ولم يكن في النبي صلى الله عيه وآله وسلم شر ، ولا كان صلى الله عليه وآله وسلم (6) شريرا حاشاه من ذلك ! وإنما أراد حسان - بما - أورده .

من لفظ الدعاء في البيت الذى أثبتناه . عنه - ما قدمناه من تعلق الصفة باعتقاد المخاطب ، أو تقديرها على ما يمكن من اعتقاد الخطأ في ذلك ، حسب ما شرحناه وفى مغى ذلك قوله تعالى : " أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم " (7) . ومعلوم أنه لاخير في شجرة الزقوم (8) على حال . ونظائر ذلك كثيرة .
 

  * هامش *  
 

(1) - سورة الدخان ( 22 ) : 49 .
(2) - حش ، رض ، مل : ذلك فيه .
(3) - سورة طه ( 20 ) : 97 .
(4) - ديوان خان بن ثابت ص 20 : هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكف : فشركما لخيركما الفداء هجرت مباركا برا حنيفا أين الله شيمته الوفاء
(5) - حش مل : عليه وآله السلام .
(6) - حش " مل : صلوات الله عليه
(7) - ص سورة الصافات ( 37 ) : 62
(8) - " سورة معلوم انه لا خيرش شجرة الزقوم " 1 ساقطة من رض ومل

 

 

- ص 37 -

فصل
فاما قول السائل : إن أمير المؤمنين عليه السلام سأل الله إبدالهم به شرا منه والتمس ( 5 ظ ) منه الشر مع انه تعالى لا يفعل (1) الشرا ، فالوجه فيه على خلاف ما ظنه ، وهو انه عليه السلام ( لم ) (2) يسأل الله سبحانه أن يفعل بخلقه شرا ولا أن ينصب عليهم شريرا ، لكنه سأله التخلية بين الأشرار من خلقه وبينهم ، عقوبة لهم وامتحانا .


وسأله أيضا أن لا يعصمهم من فنتة الظالمين بما قدمت أيديهم مما يستحقون به العذاب المهين . ونظير ذلك في معنا . قوله تعالى : وإذ تأذن ربك يستحقون به العذاب إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " ، قوله : " إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا " (4) وقوله تعالى : " وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها " (5) .


ولم يرد بذلك البعثة التى هي بعثة الرسل ولا الأمر بذلك (6) والترغيب فيه ، وإنما أراد التخلية وترك التمكين وترك الحيلولة بينهم وبين المذكور (7) ، وهذا بين ، والله المحمود .

 

  * هامش *  
  (1) - رض : لا يفعله .
(2) - ساقطة من الأمل وحش ، وأثبتناها عن رض ومل لما يقتضيه المعنى .
(3) - سورة الاعراف ( 7 ) : 167 .
(4) - سورة مريم ( 19 ) : 83 .
(5) - سورة الأنعام ( 6 ) : 123 .
(6) - مل ، مر ، رض 2 : + ولا الأمر لفعله . حش + ولا الامر بفعله .
(7) - مر ، رض 2 : المذكورين . ( * )