عقائد الشيعة الإمامية >> العلامة العسكري
العقـائــد الإسـلاميــة في القــرآن الكريــم
(9)
النسـخ فـي مسيـرة الرسـل أصحـاب الشرائـع
1ـ وحدة شرايع آدم ونوح وابراهيم
ومحمد (ص).
2ـ مصطلحا النسخ والاية ومعناهما.
3ـ شريعة موسى كانت خاصة لبني اسرائيل.
4ـ انتهاء امد شريعة موسى ببعثة خاتم الانبياء.
فـي هـذا البحث ندرس من مسيرة الرسل اصحاب الشرائع ما يوضح لنا امر النسخ في شرائعهم من خـلال اخـبـارهم في القرآن الكريم ومصادر الدراسات الاسلامية, ومن ثم لا نذكر امر من بادت امـمهم, مثل هود, وصالح وشعيب (ع), بل نخص بالذكر من بقيت شرائعهم من بعدهم, وهم كل من: آدم, ونوح, وابراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد (ص), حسب تسلسلهم الزمني كما ياتي بيانه:
اولا ـ ابو البشر آدم (ع):
جاء في الروايات ما موجزه:
ان رسول اللّه (ص) قال:
(يـوم الـجمعة سيد
الايام واعظمها عند اللّه, خلق اللّه فيه آدم, وفيه ادخل الجنة, واهبط فيه الى
الارض وانزل معه بالحجر الاسود).
وفي روايات اخرى: (خلق اللّه الانبياء والائمة
ـالاوصياءـ يوم الجمعة).
وفي الروايات الصحيحة:
ان جـبرئيل اخذ آدم (ع) الى الحج, وعلمه كيف يقضي مناسكه, وفي بعضها: ان غمامة ظللت
مكان البيت, فطاف جبرائيل بآدم (ع) حوله اسبوعا, ثم اخذه الى الصفا, والمروة, وسعى بينهما اسبوعا,
ثم اخذه الى عرفات في التاسع من ذي الحجة, وتضرع الى اللّه في عصره فتاب اللّه
عليه, ثم ذهب بـه لـيـلة العاشر الى المشعر فناجى فيه ربه الى الصباح, ثم ذهب به
صباح العاشر الى منى, وحلق هـناك راسه علامة لقبول توبته, ثم ذهب به ثانية الى
مكة, وطاف به حول البيت اسبوعا وصلى للّه بـعـده, ثم ذهب الى الصفا, والمروة,
وسعى بينهما اسبوعا, وجمع اللّه بينه وبين زوجته حواء بعد قبول توبتهما, واصطفاه
لرسالته.
ثانيا ـ ابو الانبياء نوح:
قال سبحانه في سورة نوح:
(انا ارسلنا نوحا الى قومه ان انذر قومك قال: يا قوم اني نذير مبين ان
اعبدوا اللّه واتقوه واطيعون وقالوا: لاتذرن آلهتكم ولا تذرون ودا ولا سواعا ولا
يغوث ويعوق ونسرا) (الاية 1 ـ 23).
ومما يتعلق ببحثنا من اخبار نوح في القرآن
الكريم قوله تعالى في سورة الشورى:
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي
اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)
(الاية 13).
شرح الكلمات.
ا ـ ود, وسواع, ويغوث, ويعوق, ونسر:
فـي الـبـحـار عـن الامام الصادق (ع) وورد
ـ ايضا ـ في كتاب الاصنام لابن الكلبي, وموجزا في تفسير الاية بصحيح البخاري,
واللفظ للاول موجزا: ان ودا, وسـواعـا, ويغوث, ويعوق,
ونسرا كانوا بررة مؤمنين يعبدون اللّه عز وجل فماتوا فضج قومهم وشق ذلك عليهم,
فجاءهم ابليس لعنه
اللّه فقال لهم: اتخذ لكم اصناما على صورهم فتنظرون اليهم وتانسون بهم وتعبدون
اللّه, فـاعـد لهم اصناما على مثالهم فكانوا يعبدون اللّه عز وجل, وينظرون الى تلك
الاصنام, فلما جاءهم الشتاء والامطار ادخلوا الاصنام البيوت فلم يزالوا يعبدون
اللّه عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشا اولادهـم, فـقـالـوا: ان آباءنا كانوا يعبدون
هؤلاء, فعبدوهم من دون اللّه عز وجل, فذلك قول اللّه تبارك وتعالى: (ولا تذرن ودا
ولا سواعا) الاية.
ب ـ وصى الرجل غيره توصية بان يفعل كذا: رغب اليه
في ان يفعله لما يرى فيه خيرا وصلاحا.
ووصى اللّه بكذا: امر به, وفرضه على
عباده.
تفسير الايات بايجاز.
فـي الايـات الاولى اخبر اللّه سبحانه
وتعالى انه ارسل نوحا الى قومه ان انذرهم فقال لهم اني لكم نذير ابين لكم ما ارسلت
به ان اتقوا اللّه, واعبدوه, واطيعوني في ما ابلغكم من اوامر اللّه ونواهيه, فابى
قومه, وقالوا: لا تذروا عبادة اصنامكم.
وفي الايات الاخيرة اخبر اللّه سبحانه
وتعالى وقال:
شـرع لكم من الدين يا امة محمد (ص) ما كتبه
وشرعه لنوح (والذي اوحينا اليك), اي وهو الذي اوحينا اليك يا محمد (ص), وهو ما
(وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى) ثم بين ذلك بقوله تعالى: (ان اقيموا الدين ولا
تتفرقوا فيه).
ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة الصافات:
(سلام على نوح في العالمين انا كذلك نجزي المحسنين انه من عبادنا المؤمنين ثم
اغرقنا الاخرين وان من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم) (الايات 79 ـ
84).
شيعته:
شـيعة الرجل: اتباعه وانصاره, والشيعة: الجماعة الثابتة لرئيس لهم ويكون المعنى وان من شيعة نوح ابراهيم.
وسنورد مزيد بيان له في ما ياتي ان شاء اللّه تعالى:
ثالثا ـ خليل اللّه ابراهيم (ع):
ويتعلق ببحثنا من اخبار ابراهيم في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى:
ا ـ في
سورة الحج:
(واذ بـوانـا
لابـراهـيـم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع
السجود واذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا
منافع لهم ويذكروا اسم اللّه في ايام معلومات على مارزقهم من بهيمة الانعام)
(الايات 26 ـ 28).
ب ـ في سورة البقرة:
(واذ جـعلنا البيت مثابة للناس
وامنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طـهرا بيتي
للطائفين والعاكفين والركع السجود واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا
تقبل منا انك انت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك
وارنا مناسكنا وتب علينا انك انت التواب الرحيم) (الايات 125 ـ 128).
ج ـ في
سورة البقرة:
(وقـالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا وما
كان من المشركين قولوا آمنا بـاللّه ومـا انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل
واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعـيـسـى ومـا اوتي النبييون من ربهم لا نفرق
بين احد منهم ونحن له مسلمون) (الايتان 135 ـ 136).
د ـ في سورة آل عمران:
(ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) (الاية 67).
هـ ـ وفيها ايضا:
(قل صدق اللّه فاتبعوا ملة ابراهيم حنيفا وما
كان من المشركين) (الاية 95).
و ـ في سورة الانعام:
(قل انني هداني ربي الى
صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (الاية 161).
ح ـ
في سورة النحل:
(ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا وما كان من
المشركين) (الاية 123).
شرح الكلمات.
ا ـ بوانا:
بوات المنزل
لفلان: هيات المنزل له.
وبواته فيه: مكنت له فيه, وبواته منزلا: انزلته فيه.
ب ـ اذن بـالـشـي ء تـاذيـنا: اعلم به او اكثر الاعلام ونادى به, والاذان اسم
التاذين كالسلام اسم التسليم.
ج ـ رجالا:
رجل يرجل رجلا: لم يكن له ما يركبه
فهو رجل وراجل, والجمع رجال.
د ـ البهيمة: كل ذات اربع قوائم.
هـ ـ ضامر:
جمل ضامر وناقة ضامر وضامرة: قليل اللحم لطيف الجسم.
و ـ فج:
الفج: الطريق
الواسع بين جبلين, او في جبل.
ز ـ مثابة:
المثابة: الموضع الذي يرجع الناس
اليه (واذ جعلنا البيت مثابة للناس) اي مرجعا يرجع اليه الحجاج افواجا بعد افواج,
او ان المثابة موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره, وموضع امن لهم.
ح ـ
مناسكنا:
الـنسك: العبادة, ونسك نسكا: تطوع للّه بعبادة, وعمل يتقرب به الى
اللّه مثل ذبح الهدي في الحج, ويقال للذبيحة: النسيكة, والمنسك:
موضع
العبادة, والمناسك: اعمال الحج وزمانها, واماكنها في عرفات, والمشعر, ومنى, وما
عداها.
ط ـ السعي: المراد من السعي: العمل او الاستعداد للعمل.
ى ـ مقام
ابراهيم (ع):
صخرة على الارض اتجاه الكعبة عليها اثر قدمي ابراهيم (ع).
ك ـ
حنيفا:
الحنف: ميل عن الضلال الى الاستقامة.
والجنف: ميل عن الاستقامة الى
الضلال, والحنيف: هو المائل عن الضلالة الى الاستقامة, والحنيفية: شريعة
ابراهيم (ع).
ل ـ قيما:
القيم والقيم: الثابت المستقيم لا عوج فيه.
م ـ
ملة:
الملة: الدين حقا كان او باطلا, فاذا اضيف الى اللّه ورسله والمسلمين قصد
به الدين الحق.
تفسير الايات بايجاز.
اذكر ايها النبي اذ مكنا لابراهيم مكان
البيت ليبنيه, واذ كان ابراهيم واسماعيل يبنيان البيت ويـدعوان ربهما ويقولان: ربنا
تقبل منا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وارنا مناسك الحج, فتقبل اللّه
سبحانه وتعالى دعاءهما, وراى ابراهيم في المنام انه يذبح ابنه اسماعيل (ع) في
سـبـيـل اللّه, وما يراه النبي في المنام نوع من انواع الوحي, وكان اسماعيل (ع) قد
بلغ سن العمل وعـمـل مـع ابيه في بناء البيت, فاخبر ابراهيم (ع) ابنه اسماعيل (ع)
بذلك, فقال: يا ابت افعل ما تـؤمـر ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين, فلما اسلما
لامر اللّه والقى ابراهيم ابنه اسماعيل (ع) على جبينه ليضحي به في سبيل اللّه ناداه
اللّه: يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا, فانه بدا بذبحه وهذا ما رآه في المنام ولم ير
انه ذبحه, وفداه اللّه بكبش رآه امامه, فضحى به في منى.
امـر اللّه تعالى
ابراهيم ان يعلن الدعوة للحج واخبر ان الناس سياتون الى الحج مشاة وركبانا من كل
فـج عـمـيـق, وان اللّه قد جعل البيت مكان امن وتحصيل ثواب للناس, وامر ان يتخذ
الناس من مقام ابراهيم (ع) مصلى.
واخـبـر
اللّه سـبـحانه وتعالى في آيات اخرى عن ملة ابراهيم (ع) ودينه وقال: ان ابراهيم
كان حـنـيـفـا مـسلما, ولم يكن من المشركين ولم يكن يهوديا, ولا نصرانيا, كما يزعم
ذلك بعض اهل الكتاب, وامرنا ان نتبع ملة ابراهيم (ع), وخص رسوله (ص) بهذا
الامر, واوصى اليه بـقوله: قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم, وهو الدين القيم,
وملة ابراهيم الحنيف عن الشرك الـى الاسلام, ومما اتبع خاتم الانبياء (ص), من
شريعة جده اتيان مناسك الحج كما امر به ابراهيم وكذلك فعلت امته, وادت مناسك الحج
كما اداه خليل الرحمان ابراهيم (ع).
نتيجة البحث.
كان يوم الجمعة مباركا
على آدم ومن كان في عصره, ومباركا لخاتم الانبياء, وامته الى ابد الدهر.
وحج
البيت آدم وابراهيم وخاتم الانبياء (ص) ومن تبعهم حتى اليوم وكذلك يفعلون الى ابد
الدهر, وكذلك شرع لامة خاتم الانبياء.
مـن الـديـن مـا وصى به نوحا, وكان
ابراهيم من شيعة نوح ومتابعيه في الشريعة, ولذلك امر اللّه سبحانه وتعالى خاتم
الانبياء (ص) وامته ان يتبعوا ملة ابراهيم ودينه القيم.
ولا اخـتـلاف بـيـن
شرايع هؤلاء الانبياء من لدن آدم الى النبى الخاتم (ص), وانما كانت الشريعة
اللاحقة تجديدا للشريعة السابقة,.
واحـيـانـا اكـمالا لها وقد مر بنا ان آدم (ع)
حج, وان ابراهيم جدد بعض معالم الحج ببناء البيت, واكـمـله النبي الخاتم بتعيين
مواقيت الاحرام واتخاذ مقام ابراهيم (ع) مصلى, وتبيين سائر معالم الحج.
انـزل
اللّه مـن احـكـام الاسـلام الـى آدم مـا يـحتاجه الانسان الذي يعيش في الريف على
الزرع والضرع.
ولـمـا كـثـر نسل بني آدم, وبنوا القرى في عصر نوح (ع), وسكنوا
المدن الكبيرة احتاجوا الى تشريع موسع لانسان حضري له حاجات متعددة في امر التجارة
والاجتماع, ومشاكل مختلفة لسكان الـمـدن الكبيرة, فانزل اللّه على نوح من احكام
الشرع الاسلامي ما يسد حاجاتهم مثل ما انزل على خاتم الانبياء (ص) من تلك الاحكام.
وكانت الامم تنحرف بعد انبيائها عن التوحيد الى الشرك كما انتهى
اليه امر بني آدم في عصر نوح الـى عباة الاصنام, فيبدا النبي عندئذ بدعوتهم الى
توحيد اللّه الخالق, وترك عبادة الاصنام كما كان شـان نـوح, وابراهيم, وسائر
الانبياء الى خاتم الانبياء (ص), الذي كان يتجول في اسواق العرب ومضارب الحجيج
ويقول: قولوا لا اله الا اللّه تفلحوا.
وفي بعض الامم يدعي طاغيتهم الربوبية كما
كان شان الطاغية نمرود الذي حاج ابراهيم في ربه.
وشان الطاغية فرعون الذي
تجبر وقال انا ربكم الاعلى, وفي مثل هذه الحال يبدا النبي بالدعوة الى توحيد
الربوبية ويقول ابراهيم (ع) (ربي الذي يحيي ويميت).
ويـقـول موسى (ع): (ربنا
الذي اعطى كل شي ء خلقه ثم هدى) وجا شرح قول موسى لفرعون في قوله سبحانه وتعالى في
سورة.
الاعـلى: (سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي اخرج
المرعى فجعله غثاء احوى) (الاية 1 ـ 5).
وقوله تعالى:
(ان ربكم اللّه الذي
خلق السموات والارض) (الاعراف 54).
اذا فان بعض الامم تنحرف في اصل العقيدة
بالتوحيد.
وينحرف بعض الامم عن الاسلام في اعمالها: كما كان شان قوم لوط, وشعيب.
واذا درسـنا ما جاء في القرآن الكريم, وروايات النبي (ص), وما بقي من آثار
الانبياء, وما جاء من اخـبارهم في مصادر الدراسات الاسلامية, ادركنا ان كل رسول
لاحق كان يجدد شريعة اللّه التي نزلت على من سبقه من الانبياء بعد اندراسها,
وتحريفها من قبل امم الانبياء انفسهم, ولذلك امرنا اللّه ان نقول:
(آمـنـا
باللّه وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما
اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون)
(البقرة 136).
واذا كان امر شرايع الانبياء كما اوضحناه فللسائل ان يسال:
اذا
ما معنى النسخ في شرايع الانبياء (ع) كما جاء ذكره في قوله تعالى في سورة البقرة:
(ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها الم تعلم ان اللّه
على كل شي ء قدير) (الاية 106)؟.
وما معنى التبديل في قوله تعالى في سورة النحل:
(واذا بـدلـنـا آية مكان آية واللّه اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل
اكثرهم لا يعلمون) (الاية 101)؟.
ونقول في مقام الجواب: ان البحث هنا يدور حول
امرين:
حـول مـصـطلحي النسخ والاية, ومعنى الايتين مورد البحث كما سندرسهما في
ما ياتي باذنه تعالى وتقدس:
ا ـ النسخ في اللغة: ازالة شي ء بشي ء يتعقبه,
يقال: نسخت الشمس الظل.
وفـي الـمصطلح الاسلامي: نسخ احكام في شريعة
باحكام في شريعة اخرى, مثل نسخ بعض احكام الـشـرايـع الـسابقة باحكام في شريعة
خاتم الانبياء (ص), وكذلك نسخ حكم مؤقت بحكم ابدي في شـريـعة خاتم الانبياء (ص),
مثل نسخ حكم توارث المتخيين من المهاجرين والانصار في المدينة قبل فتح مكة بحكم
توارث ذوي الارحام بعد فتح مكة.
ب ـ آية:
الاية مشتركة في المصطلح الاسلامي
بين ثلاثة معان:
1 ـ مـعـجـزات الانـبـياء كما جاء في قوله سبحانه وتعالى في
سورة النمل في خطابه لموسى بن عمران:
(وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في
تسع آيات الى فرعون وقومه) (الاية 12).
2 ـ جـمـلة من الفاظ قرآنية مشخصة
بالعدد كما جاء في سورة يوسف, والرعد, ويونس, والنمل (الر تلك آيات الكتاب).
3 ـ
فـصـل او فصول من كتاب اللّه يبين حكما من احكام شريعة اللّه كما فصلنا القول فيه
في بحث المصطلحات من الجزء الاول من القرآن الكريم وروايات المدرستين.
وقد لوحظ
في تسمية بعض القرآن (آية) مدلوله وهو الحكم المذكور في ذلك البعض من القرآن, وان
النسخ يتعلق بذلك الحكم, وليس بلفظ القرآن الذي دل على ذلك الحكم.
ويشخص المعنى
في اللفظ المشترك بالقرينة الدالة على المقصود في الكلام.
كان ذلك معنى الاية في
المصطلح الاسلامي اما تفسير الايتين فكالاتي:
وردت آيـة الـنـسخ ضمن آيات (40 ـ 152) من سورة
البقرة, ونورد منها ما يخص البحث في ما ياتي:
(يـابـنـي اسـرائيل اذكروا نعمتي
التي انعمت عليكم واوفوا بعهدي اوف بعهدكم واياي فارهبون وآمنوا بما انزلت مصدقا
لما معكم.
ولاتـكـونـوا اول كـافـر بـه ولا تشتروا بياتي ثمنا قليلا واياي
فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتـكـتـموا الحق وانتم تعلمون يا بني اسرائيل
اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضلتكم على الـعـالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس
عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ول يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون واذ اخذنا ميثاقكم
ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه.
ولقد آتينا موسى الكتاب
وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وايدناه بروح القدس افكلما
جاءكم رسول بما لا.
تهوى انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وقالوا
قلوبنا غلف بل لعنهم اللّه بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من.
عـند
اللّه مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا
كفروا بـه فلعنة اللّه على الكافرين بئسما اشتروا به انفسهم ان يكفروا بما انزل
اللّه بغيا ان ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب
وللكافرين عذاب مهين واذا قيل لهم آمنوا بما انـزل اللّه قـالوا نؤمن بما انزل
علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون انـبـيـاء اللّه
مـن قـبل ان كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم
ظالمون.
ولـقـد انـزلنا اليك آيات بينات وما يكفر بها الا الفاسقون ولو انهم
آمنوا واتقوا لمثوبة من عند اللّه خير لو كانوا يعلمون مايود الذين كفروا من اهل
الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم واللّه يختص برحمته من يشاء
واللّه ذو الفضل العظيم ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها الم تعلم
ان اللّه على كل شي ء قدير.
ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم
كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الـحـق وقـالـوا لن يدخل الجنة الا من
كان هودا او نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صـادقين بلى من اسلم وجهه
للّه وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ولن ترضى عنك اليهود
ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى اللّه هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي
جاءك من العلم مالك من اللّه من ولي ولا نصير.
يـابني اسرائيل اذكروا نعمتي التي
انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا
يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرن).
ثـم يعين مورد النسخ بعد تمهيد
مقدمة اوردنا بعضها في ما سبق في ما اخبر اللّه سبحانه وتعالى عن قيام ابراهيم
واسماعيل 8 ببناء.
الكعبة وقال:
ا ـ (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت
واسماعيل).
ب ـ (واذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا).
ج ـ (وعهدنا الى
ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).
(قد نرى تقلب
وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كـنـتم
فولوا وجوهكم شطره وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما اللّه
بغافل عما يعملون ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ماتبعوا قبلتك وما انت
بتابع قبلتهم الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم
ليكتمون الحق وهم يعلمون).
واخبر اللّه قبله عن جدالهم مع المسلمين في تحويل
القبلة وقال تعالى:
(سـيـقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا
عليها قل للّه المشرق والمغرب يهدي من يـشـاء الى صراط مستقيم وما جعلنا القبلة
التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة الا
على الذين هدى اللّه وما.
كان اللّه ليضيع ايمانكم ان اللّه بالناس لرؤوف رحيم).
جـاءت آيـة التبديل ضمن مجموعة آيات سورة النحل ونذكر منها ما يخص البحث
في ما ياتي:
قال سبحانه وتعالى:
(واذا بـدلـنـا آية مكان آية واللّه اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر
بل اكثرهم لا يعلمون قل نزله روح الـقدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى
للمسلمين انما يفتري الكذب الذين لا يـؤمـنون بيات اللّه واولئك هم الكاذبون فكلوا
مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واشكروا نعمة اللّه ان كنتم اياه تعبدون انما حرم عليكم
الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان
اللّه غفور رحيم ولاتقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا عـلـى
اللّه الـكذب ان الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون وعلى الذين هادوا حرمنا ما
قصصنا عـليك من قبل ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنفا وما كان من المشركين
انما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) (الايات 101 ـ 124).
والذي قصه اللّه على
نبيه من قبل قوله تعالى:
ا ـ في سورة آل عمران:
(كل الطعام كان حلا
لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه) (الاية 93).
ب ـ في سورة الانعام:
(وعـلـى الـذيـن هـادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما
الا ما حملت ظهورهما او الحوايا او ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وانا لصادقون) (الاية 146).
اولا ـ شرح الكلمات:
ا ـ مصدقا لما معكم:
اي ان صـفـات القرآن وصفات
الرسول يصدق لما ورد في التوراة من الاخبار ببعثة الرسول (ص) وانـزال الـقرآن عليه,
مثل ما ورد في الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية ط رجارد واطس بلندن عام
1831 م والاتي نصه:
1- فهذه البركة التي بارك موسى رجل اللّه بني اسرائيل قبل موته
2- وقال الرب من سينا واشرق لـنـا من ساعير استعلن من جبل
3- فاران ومعه الوف الاطهار في يمينه سنة من نار احب الشعوب
4- جـمـيـع الاطـهـار بيده والذين يقتربون من رجليه يقبلون من تعليمه
5- موسى
امرنا بسنة: ميراثا لجماعة يعقوب.
وجاء هذا النص في ط رجارد واطس بلندن سنة 1839
م باللغة الفارسية كالاتي:
باب سي وسيوم.
1- وايـنـسـت دعـاي خير كه موسى مرد خدا قبل از مردن بر بني
اسرائيل خواند
2- وگفت كه خـداونـد از سيناي برآمد واز سعير نمودار گشت واز كوه
فاران نور افشان شد وبا ده هزار مقربان ورود نمود واز دست راستش شريعتي آتشين براي
ايشان رسيد.
3- بـلـكه قبائل را دوست داشت وهمكي مقدساتش در قبضه تو هستند
ومقربان پاي تو بوده تعليم تـرا خـواهند پذيرفت
4- موسى مارا بشريعتي امر كرد كه
ميراث جماعت بني يعقوب باشد وجاء هذا النص في طبعة جامعة اكسفورد بلندن, دون تاريخ, ص 184:
. ثب ث ت
آب ا 33. خ ذخژژحدچ حخژ ژخ ژخخژ اتآ, خژخسحزحخس. ححژژحدچ حرب ح ر ذچذ حخژ ژحژرت. ژخخ حزرح حچ دحچزژد ح ر ذحزحدخخح حخژ. خژچحح 2. حخچژ حخ حذآ, ذرزح حذچح حزرپ
حخث. خچذخث, ذحخژ رژذس زخحث ذرزح رس حژرز حذچ,. ذچزچت ژذس رذ ذرزح خژزرح ححذخخژ
حخ. ح ر ژحذچژس رخژ ذحژ خژدس حذچح حخ حذچ. ژژذخچژ: چژذح س حذچخ ژخخ خز ژخخ ذرزح. ذحخژ زرح سچپ ش زحخح 3. ژحچ, حدررحر حخژ ححسرپ حخ, ژخخ ددچ. حذچخ حخژ ذخ حزچ
ژژذخچژ: ژچژ ش حخژ حذچ. ژححح ش خژ ژچ ذسرح, ح ددچخژ حذر ش زحسح ـ. ژحزرس ش خژ ح
ر حسخحح 4. سچد چ ژس حححذچذذرح ژحژرت, ذحسح. ح ر ذرخژچخ حزخ ذرح حخژ ح ر حح
ذچژخزحخذخ حخژ. چ رح چپ وترجمة النصين الى العربية كالاتي:
(وهذا دعاء الخير
الذي تلاه موسى رجل اللّه قبل موته على بني اسرائيل وقال: ان اللّه استعلى من
سيناء, وظهر من ساعير ونشر.
النور من فاران, وجاء مع عشرة آلاف من المقربين,
وجاءهم من يمينه شريعة نارية.
احب القبائل, وجميع مقدساته في يمينك ومقربون الى
رجليك ويتقبلون تعاليمك.
موسى امرنا بشريعة هي ميراث لجماعة بني يعقوب).
فـي هذا النص (وجاء مع عشرة آلاف من المقربين) مع تعيين عدد الالوف وفي النص
الاول (ومعه الـوف الاطـهـار) مع عدم تعيين عدد الالوف لان الذي ظهر من غار حراء
بفاران ثم جاء الى ارض فـاران مـكـة ـ مـع عشرة آلاف هو خاتم الانبياء محمد (ص),
فبادروا الى تحريف هذا النص في عـصـرنا الحاضر كي يكتموا ما جاء فيه من بشارات
ببعثة خاتم الانبياء كما شرحنا ذلك في البحث التمهيدي الخامس من الجزء الثاني من
كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).
نتيجة البحث في تفسير (مصدقا لما معكم):
يـتضح بجلاء ان هذا الاصحاح ينص على ان موسى بن عمران (ع) ذكر في وصيته لبني
اسرائيل قبل موته:
ان اللّه الـرب انزل التوراة في جبل سينا والانجيل في جبل
سعير والقرآن في جبل فاران ـ مكة ـ ثـم تـوسـع في ذكر خصوصيات الشريعة الثالثة
وقال: وجاء ومعه عشرة آلاف من المقربين وهم عشرة آلاف من الجنود في فتح مكة, وان
شريعة الثالث شريعة القتال, وان امته يقبلون تعاليمه, وفي هـذا التصريح تعريض
بمواقف بني اسرائيل في انحرافاتهم وعبادتهم العجل ومجادلاتهم مع نبيهم موسى وسائر
انبيائهم والتي جاء ذكرها في القرآن والتوراة.
وكـذلـك صـرح بان شريعة خاتم
الانبياء (ص) نزلت لجميع القبائل بينا شريعة موسى بن عمران نزلت لجماعة يعقوب اي
لبني اسرائيل.
ويطول بنا البحث اذا اردنا ان نستعرض جميع البشارات ببعثة خاتم الانبياء والتي
بقيت الى عصرنا الـحاضر مع التحريف الذي اجروه عليها في ما بقي من الكتب السماوية
بايدنا اليوم, وكانت موجودة بايدي اهل الكتاب في عصر خاتم الانبياء (ص), ولذلك
قال سبحانه بعيد هذا في الاية (146) منها:
(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما
يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون).
وبناء على ذلك فان في
بعثة خاتم الانبيا بالقرآن وما يتصف به هو وامته تصديق لما عند اهل الكتاب في
التوراة والانجيل, والحمد.
للّه رب العالمين.
ب ـ لا تلبسوا الحق بالباطل:
اي لا تخلطوا الحق بالباطل لتخفوا الحق, او لا تستروا الحق بالباطل لتجعلوه
مشكوكا.
ج ـ عدل: عدل: اي فدية.
د ـ قفينا:
قفى من بعد الشي ء بالاخر: اتى
بالاخر بعد الاول او جعله يتبعه.
هـ ـ غلف:
غلف الشي ء: جعل له غلافا, وغلف
جمع الاغلف وهو الموضوع في الغلاف.
و ـ يستفتحون:
اي يـطـلـبـون
الـنـصـر عـلـى خـصـومـهـم فـي الـقـتال بذكر اسمه ويستشفعون به الى اللّه
لينصرهم.
ز ـ ننسها:
لا بـد ان تكون (ننسها) مخففة من (ننسئها), ونسا الشي ء
او الامر وانساه اخره, ويكون المعنى ما ننسخ من آية ـ من احكام ـ او نؤجلها نات
بخير منها او مثلها, كما سياتي بيانها وبيان الحكمة فيها في ما ياتي ان شاء اللّه
تعالى.
ولا يـصـح ان تـكـون مـن (نـنـسيها), ويكون المعنى
لا ننسي الناس قراءة (آية) من القرآن كما فسروها, وذلك:
اولا: لـقـولـه تـعالى
في سورة الاعلى: (سنقرئك فلا تنسى), اذا فقد ضمن اللّه حفظ القرآن من النسيان.
وثانيا: لعدم وجود مصلحة لانساء اللّه الناس قراءة آية او آيات انزلها ليقراها
الناس.
ح ـ
هادوا وهودا:
هاد: دان باليهودية فهو هائد وجمعه هودا, مثل عائذ وعوذا, ونازل
ونزلا.
ط ـ فضلكم على العالمين:
اي فضلهم في عصرهم على العالمين من قوم فرعون
بمصر والعمالقة وامثالهم في الشام.
ي ـ شطر: شطر الشي ء: من معانيه جهة
الشي ء, وهو المقصود هنا.
ك ـ ما كان اللّه ليضيع ايمانكم:
اي ما كان اللّه
ليضيع صلاتكم التي صليتموها مستقبلين بيت المقدس قبل تحويل القبلة الى الكعبة.
ل ـ بدلنا:
بدل الشي ء بالشي ء وبدل شيئا مكان شي ء آخر: جعل الشي ء الثاني مكان الشي ء الاول.
والـفـرق بـيـن العوض والبدل: ان العوض ما تعقب به الشي ء على جهة المثامنة, تقول:
هذا الدرهم عوض من خاتمك, والبدل ما يقام مقامه
ويوقع موقعه على جهة التعاقب دون المثامنة.
م ـ روح القدس:
هو الملك الذي
انزل اللّه القرآن وتفسيره واحكام الاسلام معه الى الرسول.
ن ـ ذي ظفر:
الـظـفر في
اللغة ظفر الانسان وغيره, والمقصود هنا واللّه اعلم كل حيوان ليس بمنفرج الاصابع
كالابل والنعام والاوز والبط.
س ـ الحوايا:
الحوايا: الامعاء والمباعر.
ع
ـ ما اختلط بعظم:
اختلط الشي ء بالشي ء: امتزج, والمقصود هنا شحم الجنب والالية
لانه على العصعص وهو عظم.
ثانيا: تفسير الايات:
ا ـ آية التبديل التي جاءت
ضمن آيات سورة النحل المكية:
في هذه الايات قال اللّه تعالى:
واذا بـدلنا آية اي بعض احكام من شرع سابق باحكام اخرى نزلت في القرآن قالوا
للرسول (ص): انما انت مفتر.
لا ليس الامر كذلك: بل اكثرهم جهال لا يعلمون
يـارسول اللّه (ص) الايمان وليكون هدى وبشرى
لـلـمـسلمين, ولست انت المفتري, وانما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بيات اللّه ـ اي
المشركون انفسهم ـ واولئك هم الكاذبون.
ثم شرح اللّه سبحانه بعد هذا مورد النزاع وقال: كلوا مما رزقكم
اللّه حلالا طيبا مثل لحم الجمل وبـعض شحوم الحيوان ونظائرهما مما حرمها على بني
اسرائيل, فان اللّه لم يحرمها عليكم وانما حـرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
وما اهل به لغير اللّه, اي ما هتف عند ذبحه باسم غير اللّه مـثل اللات والعزى
ونظائرها, الا لمن اضطر الى اكلها, هذه مما حرمت عليكم ولا تصفوا الاشياء بالسنتكم
بان هذا حلال وذاك حرام, كما اخبر اللّه عن قول المشركين في الايات 138 ـ 140 من
سورة الانعام, كان ذلكم شان المشركين, اما اليهود فقد حرم اللّه عليهم خاصة ما
قصه على الرسول قبل هذه السورة ـ ايضا ـ في الاية 146 من سورة الانعام, وكان ذلك
التحريم لليهود.
اما انت ايها الرسول فقد اوحينا اليك ان اتبع في امر الحلال
والحرام ملة ابراهيم, وكان من جملة ما فـي ملة ابراهيم اتخاذ يوم الجمعة يوم
استراحة في الاسبوع, اما السبت فقد جعل يومه عطلة على بني اسرائيل خاصة تحرم عليهم
العمل فيه, كما ورد ذكره في الاية 163 من سورة الاعراف.
وبـنـاء على ما
اوردناه فان معنى تبديل آية هنا انما هو تبديل بعض احكام جات في توراة موسى بن
عـمـران (ع) باحكام نزلت في القرآن على خاتم الرسل (ص), وعودة الامر الى ما كان
عليه في شريعة ابراهيم الخليل (ع).
ويؤكد ما ذكرنا قوله تعالى: (واذا بدلنا
آية مكان آية قال الذين كفروا انما انت مفتر قل نزله روح القدس).
واعادة الضمير
في (نزله) الى معنى (آية) وهو الحكم, ولو كان الجدال حول تبديل الاية التي هي
جزء من السورة لكان ينبغي ان يقول سبحانه: (قل نزلها روح القدس) ويعيد الضمير
مؤنثا.
ب ـ الايات التي وردت في ضمنها آية النسخ في سورة البقرة المدنية:
في
هذه الايات قال اللّه سبحانه:
يـا بـني اسرائيل اذكروا نعمة اللّه عليكم واوفوا
بعهده حين انزل لكم التوراة وقال لكم: خذوا ما آتـيناكم بقوة واذكروا ما فيه, وفيه
البشارة ببعثة خاتم الانبياء, يوف اللّه بعهده اليكم, فيغدق نعمه عـلـيكم في الدنيا
والاخرة, وآمنوا بما انزل على خاتم الانبياء وهو يصدق لما معكم من كتب اللّه, ولا
تـكـتموا الحق ولا تلبسوا الحق بالباطل وانتم تعلمون ولقد آتى اللّه موسى الكتاب
وقفى بعده بـالرسل ومنهم عيسى بن مريم الذي ايده بالادلة الواضحة وايده بروح القدس
افكلما جاءكم رسول بـاحـكـام لا تهواها انفسكم استكبرتم وكذبتم فريقا منهم وفريقا
تقتلونهم, وقلتم قلوبنا مغلفة عن دركها, واخيرا لما جاءكم القرآن من عند اللّه وهو
يصدق ما عندكم من الاخبار كفرتم به, في حين انـكـم كنتم قبل ذلك تستشفعون في طلب
الفتح على الكفار باسمه, وعندما جاءكم النبي وعرفتموه كـفـرتـم به وبما انزل اللّه
معه من الوحي, بئسما اشتريتم لانفسكم ان تكفروا بما انزل اللّه, لانه انزله ذرية
اسماعيل دون ذرية يعقوب فبوءوا بغضب من اللّه وللكافرين عذاب مهين.
واذا قـيـل
لـلـيـهـود آمـنوا بما انزل اللّه على خاتم انبيائه قالوا: نؤمن بما انزل علينا
معشر بني اسرائيل, ونكفر بما انزل على غيرنا, وهو حق يصدق ما معهم في كتب الانبياء
من الاخبار ببعثته.
قـل لـهـم يا رسول اللّه: ان كنتم تزعمون انكم مؤمنين باللّه
فلم قتلتم انبياء اللّه الذين جاءوكم قبل هـذا بـدل الايـمـان بـاللّه, وكما انزل
اللّه على موسى آيات بينات انزل ـ ايضا ـ آيات بينات على خاتم انبيائه محمد (ص),
ولا يكفر بها الا الفاسقون.
ولو ان اليهود آمنوا واتقوا
اللّه لاثابهم اللّه, ولكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين بمكة لا يـحـبـون
ان ينزل عليكم ايها المسلمون خبر وكتاب من ربكم في حين ان اللّه يختص برحمته من
يشاء.
ومـا يـنسخ اللّه من آية او ينسها يات بخير منها او بمثلها, اي ما ينسخ
اللّه من احكام او يؤجلها يات بخير منها او بمثلها, ان اللّه على كل شي ء
قدير.
احـب كـثير من اهل الكتاب ان يردوكم عن ايمانكم بخاتم الانبياء الى الكفر
حسدا ان ينزل الوحي على غير بني اسرائيل, بعد ان تبين لهم انه الحق وقالوا لكم لن
يدخل الجنة الا من كان من اليهود او النصارى, اي انكم باسلامكم لن تدخلوا الجنة, قل
هاتوا برهانكم بلى من اسلم وعمل الصالحات فله اجره عند ربه, ولن ترضى عنك اليهود
والنصارى حتى تتبع ملتهم.
ثـم ذكـر موضع النزاع سبب الخصومة وكيف وقعا بين
الرسول واليهود, وقال سبحانه: نرى تقلب وجـهـك نـحـو السماء انتظارا لتحويل القبلة
من بيت المقدس فلنولينك قبلة ترضاها اينما كنت انت والـمسلمين ول وجهك نحو المسجد
الحرام, وان الذين اوتوا الكتاب اليهود منهم الذين يخاصمونك والنصارى ليعلمون ان
تحويل القبلة الى الكعبة حق من ربهم, وانك مهما تاتهم بية لا يقبلون قولك ولا
يتبعون قبلتك.
وسـيـقول السفهاء ما ولاهم عن بيت المقدس قبلتهم السابقة قل ان
الامر للّه والمشرق والمغرب له يهدي من يشاء الى صراط مستقيم, وكان جعل القبلة بيت
المقدس وتحويلها الى الكعبة لامتحان الناس فـي مـكـة حـيث جعل قبلتهم الى بيت
المقدس دون الكعبة, وفي المدينة ـ ايضا ـ تحويل القبلة الى الـكـعـبة امتحانا
لليهود, في انهم هل يتركون العصبية الاسرائيلية ويتركون استقبال بيت المقدس
ويـستقبلون الكعبة بعد ان عرفوا انه الحق من ربهم امتحانا لهؤلاء واولئك ليعلم من
يتبع رسول اللّه (ص) ممن ينقلب على عقبيه. اما صلاتهم
التي استقبلوا بها بيت المقدس قبل ذلك فلا تضيع عند اللّه.
وهـكذا يتبين ان
المقصود من (آية) في ذكر مجادلة قريش في مكة عند تبديلها بية اخرى: تبديل اللّه
حـكـمـا بـخر, كما جاء تفصيل ذلك الجدال قبل هذه السورة في سورة الانعام, وايضا
تبين ان الـمقصود من نسخ آية او تاجيلها في خبر اليهود في المدينة: نسخ حكم في
شريعته (ع) او تاجيل حكم شريعة لحكمة يعلمها اللّه.
ان الـراغـب قد اصاب في
تفسيره آية: (وكل جملة دالة على حكم آية, سورة كانت او فصولا او فصلا من سورة) اي
باعتبار معنى الاية في السورة.
كـان ذلـكـم الـمـقصود من تبديل آية مكان آية
اخرى ونسخ آية وانسائها في الايتين الكريمتين, وسندرس في ما ياتي شان النسخ وحكمته
في شريعة موسى ابن عمران (ع) باذنه تعالى.
ان شـريـعـة مـوسى التي جاءت في التوراة
كانت تخص بني اسرائيل كما جاء في العدد الرابع من الاصاح الثالث والثلاثين في سفر
التثنية ما نصه: (موسى امرنا بسنة ميراثا لجماعة يعقوب).
اي ان مـوسـى امـرنا
بشريعة تخص جماعة يعقوب وهم بنو اسرائيل, وكذلك مر في الايات التي درسناها آنفا
بيان ذلك وفي ما ياتي ندرس امر النسخ بتفصيل اوفى باذنه تعالى.
نبدا بذكر اخبار بني اسرائيل في القرآن حسب
التسلسل الزمني ثم ندرس امر النسخ في شريعتهم:
اولا ـ تذكير بني اسرائيل بما
انعم اللّه عليهم:
ا ـ في سورة البقرة:
(يـا بني اسرائيل اذكروا نعمتي
التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين واذ نجيناكم من آل فـرعون يسمونكم سوء
العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم واذ فرقنا بكم
البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم
اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون) (الايات 47 و49 و50 و51).
ب ـ في سورة
الاعراف:
(وجـاوزنـا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم
قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال انكم قوم تجهلون).
(الاية
138).
ج ـ في سورة طه:
(واضـلـهم السامري فكذلك القى السامري فاخرج لهم عجلا
جسدا له خوار فقالوا هذا الهكم واله موسى).
(ولـقد قال لهم هارون من قبل يا قوم
انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا امري قالوا لن نبرح عليه عاكفين
حتى يرجع الينا موسى) (الايات 85 ـ 91).
د ـ في سورة البقرة:
(واذ قال موسى
لقومه ياقوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم
ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم) (الاية 54).
ثانيا ـ
التوراة وبعض احكامها:
ا ـ في سورة البقرة:
(واذ اخـذنـا مـيـثاقكم ورفعنا
فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (الاية
63).
وقريب منه في الاية 93 منها والاية 171 من سورة الاعراف.
ب ـ في سورة
الاسراء:
(وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل) (الاية 2).
ج ـ في
سورة آل عمران:
(كـل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه
من قبل ان تنزل التوراة) (الاية 93).
د ـ في سورة الانعام:
(وعـلـى الـذيـن
هـادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الا ما حملت ظهورهما
او الحوايا او ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وانا لصادقون) (الاية 146).
هـ
ـ في سورة النحل:
(وعـلـى الـذيـن هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما
ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) (الاية 118).
و ـ في سورة
النساء:
(يـسـالك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سالوا موسى اكبر
من ذلك فقالوا ارنا اللّه جهرة فعفونا عن ذلك ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا
لهم لا تعدوا في السبت واخذنا منهم ميثاقا غـلـيـظا فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بيات
اللّه وقتلهم الانبياء وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما فبظلم من الذين هادوا
حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل اللّه كثيرا واخذهم الربا وقد نهوا عنه
واكلهم اموال الناس بالباطل) (الايات 153 ـ 161).
ز ـ في سورة الاعراف:
(وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر اذ يعدون في السبت اذ تاتيهم حتانهم
يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) (الاية
163). والبقرة (65) والنساء (47 و154).
ح ـ وفي سورة
النحل:
(انما جعل
السبت على الذين اختلفوا فيه) (الاية 124).
ثالثا ـ نعم اللّه على بني اسرائيل
وطغيانهم وتمردهم:
ا ـ في سورة الاعراف:
(وقطعناهم اثنتي عشرة اسباطا امما واوحينا
الى موسى اذ استسقاه قومه ان اضرب بعصاك الحجر فـانـبـجـست منه اثنتا عشرة عينا قد
علم كل اناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وانزلنا عليهم المن والـسلوى كلوا من طيبات
ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون واذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية
وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم وسنزيد
المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فارسلنا عليهم رجزا من
السماء بما كانوا يظلمون) (الايات 160 ـ 162).
ب ـ في سورة المائدة:
(واذ
قـال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم اذ جعل فيكم انبياء وجعلكم ملوكا
وآتاكم ما لم يؤت احدا من العالمين ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب اللّه لكم
ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين وانا لن
ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا مـنـهـا فانا داخلون قال رجلان من الذين يخافون
انعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فـانـكـم غـالبون وعلى اللّه
فتوكلوا ان كنتم مؤمنين قالوا يا موسى انا لن ندخلها ابدا ما داموا فيها فاذهب انت
وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون قال رب اني لا املك الا نفسي واخي فافرق بيننا وبين
القوم الـفـاسـقـيـن قال فانها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض فلا تاس على
القوم الفاسقين) (الايات 20 ـ 26).
شرح الكلمات.
ا ـ اسرائيل:
يعقوب بن
اسحاق بن ابراهيم لقبه اسرائيل وبنو اسرائيل ذريته من ابنائه الاثني عشر.
ب ـ
يسومونكم:
سام الانسان يسومه ذلا او خسفا او هوانا: اولاه اياه واراده عليه.
ج ـ يستحيون:
استحيا الاسير: تركه حيا فلم يقتله.
د ـ يعكفون:
عكف في
المسجد عكوفا: اقام للعبادة, وعكف عليه يعبده: اقبل عليه يعظمه وواظب على عبادته لا
يصرف وجهه عنه.
هـ ـ خوار:
الخوار: صوت البقر والغنم.
و ـ يبرح:
برح
المكان براحا: فارقه.
ز ـ فتنتم:
الفتنة من اللّه لعباده
امتحان, ومن ابليس والناس للناس: اضلال وايقاع في المكروه, فمن ابليس للناس
كـمـا قـال اللّه تـعـالى: (يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان) الاعراف / 27 ومن
الناس للناس, كما قال سـبـحـانه وتعالى: (ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم
لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج / 10.
ح ـ بارى ء:
ي ـ
اسباطا:
الاسباط هنا بمعنى القبيلة.
ك ـ فانبجست:
بجس وانبجس وتبجس:
انفجر وتفجر.
ل ـ المن والسلوى:
1 ـ المن: ندى يشبه العسل جامد ينزل من
السماء وقيل غير ذلك.
2 ـ الـسـلـوى: واحدته سلواة: طائر يشبه السماني, او
هو السماني, والسماني: طائر صغير من الـدجـاجـيـات جـسـمـه مـمـتـلـى ء يـسـتـوطن
حوض البحر الابيض ويهاجر شتاء الى مصر والسوادن.
م ـ حطة:
حط اللّه وزره: اي وضع اللّه عن ظهره
ما يحمله من آثام, وحطة مثل مغفرة: اي حط عنا ذنوبنا.
ن ـ رفعنا:
رفع الشي ء
فوق الشي ء: اعلاه عليه.
س ـ ميثاقكم:
الميثاق:
العهد وما يشد به
العهد ويوثق كانه عهد على الالتزام بالعهد.
ع ـ الرجز:
العذاب, ورجز الشيطان
وساوسه.
ف ـ يتيهون:
تاه تيها في الارض: ضل الطريق وتحير.
ص ـ لا تاس:
اسى وآسى عليه اسى: حزن عليه.
ق ـ تعدو:
عدا عدوا وعدوا وعدوانا وعداء
واعتدى: ظلم وتجاوز الحق.
ر ـ ميثاقا غليظا:
وثق به ثقة وموثقا: ائتمنه
وسكن اليه, والموثق: الائتمان والعهد المؤكد.
ش ـ الحوايا:
الحوايا: الامعاء,
واحدتها: حوية.
ت ـ شرعا:
شرع شرعا: دنا واشرف وظهر فهو شارع وهم شرع.
ث ـ
جعل لهم:
جعل: شرع وحكم وقرر.
تفسير الايات.
خـاطب اللّه بني اسرائيل وقال
لهم: اذكروا نعمتي عليكم اذا جعلت فيكم الانبياء والملوك وآتيتكم النعم كالمن
والسلوى مالم يؤت.
احد من العالمين.
وانـه سـبـحـانـه نجاهم من
ذل عبودية فرعون وقتله ابناءهم واستحيائه نساهم واغرق فرعون وجـنـوده وجاوز بهم
البحر فاتوا على قوم يعبدون الاصنام فقالوا لموسى اجعل لنا صنما كصنمهم نـعبده,
وانهم عبدوا العجل عندما ذهب موسى لتسلم التوراة من اللّه في الطور, وامرهم ان
يدخلوا الارض المقدسة التي قدرها اللّه يومذاك لهم, فقالوا: يا موسى ان فيها قوما
جبارين ـ العمالقة ـ وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.
قال يشوع ـ اليسع ـ ورجل
آخر منهم: ادخلوا المدينة فانكم ستغلبونهم, فابوا ذلك وقالوا: يا موسى اذهـب انـت
وربـك فـقاتلا العمالقة, انا هاهنا قاعدون قال موسى: رب اني لا املك الا نفسي واخي
هارون ففرق بيني وبين القوم الفاسقين, قال اللّه سبحانه: فان الارض المقدسة محرمة
عليهم اربعين سنة يتيهون في هذه المدة في صحراء سيناء فلا تحزن على الفاسقين.
واخـبـر عـنهم سبحانه في سورة الاعراف, وقال تعالى: وقسمنا بني اسرائيل اثنتي عشرة
قبيلة واوحـينا الى موسى عندما استسقى قومه ان يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا
عشرة عينا, لكل قبيلة من بني اسرائيل عين, وظلل عليهم الغمام وقاية لحر الشمس عنهم
واطعمهم حـلاوة كالعسل ولحم الطير, وقيل لهم بعد طول السفر اسكنوا
مدينة كانت امامهم, وكلوا مما فيها مـن رزق, وادخـلوا باب المدينة شاكرين للّه
ساجدين له, وقولوا حطة اي ربنا اغفر لنا خطايانا, فـبدل الظالمون قولا غير ما
امروا بقوله, وقالوا: حنطة, اي نطلب الحنطة, فانزل اللّه عليهم العذاب
من السماء بسبب عملهم.
واخـبـر اللّه سـبحانه عنهم في سورة النساء, وقال تعالى:
يسالك ـ يا رسول اللّه ـ اهل الكتاب اي اليهود ان تنزل عليهم كتابا من السماء, وقد
سبق لهم ان سالوا موسى اكبر من ذلك حين قالوا له: ارنا اللّه جـهارا لنبصره
بعيوننا, فعفونا عن ذنبهم, ورفعنا فوقهم الطور, واذ اخذنا الميثاق على العمل بعهدكم
في العمل بما جاء في التوراة.
كـان احـب الـطعام والشراب الى اسرائيل البان
الابل ولحومها وانه اشتكى شكوى فعافاه اللّه منها فحرم على نفسه احب الطعام والشراب
اليه لحوم الابل والبانها شكرا للّه.
وحرم على نفسه زائدتي الكبد والكليتين والشحم الا ما كان
على الظهر فان ذلك كان يقرب للقربان فتاكله النار.
وكـان مـمـا عاهدوا
اللّه عليه في العقائد: الايمان بمن بشر ببعثته موسى بن عمران (ع) من بعثة عيسى (ع)
وبعده بعثة خاتم الانبياء (ص) كما مر بنا في ما نقلناه عن سفر التثنية.
وفـي الاحـكـام عـاهدوا ان لا
يتعدوا في يوم السبت ولا يعملوا فيه واخذ اللّه منهم في ذلك ميثاقا شديدا
اكيدا.
وبـسـبـب نـقضهم ـ اي بني اسرائيل ـ ميثاقهم مع ربهم وكفرهم بيات اللّه
وقولهم في مريم بهتانا عـظـيما ورميهم الطاهرة مريم بهتانا عظيما وبظلمهم حرمنا
عليهم ـ تاديبا لهم ـ طيبات احلت لهم كـمـا انهم بظلمهم وعبادتهم العجل امروا بقتل
انفسهم ـ اي بقتل من لم يؤمن بالعجل من عبد العجل منهم ـ وبمنعهم عن الايمان باللّه
واخذهم الربا في المعاملات واكلهم الربا مع انهم منعوا عن الربا, حرمت طيبات لهم.
ومـمـا خـالـفوا ما واثقوا به ربهم صيدهم يوم السبت الحيتان من البحر,, لانها كانت
تدنو منهم يوم الـسبت وتظهر لهم ولا تاتي الحيتان غير يوم السبت كذلك وكان ذلك
امتحانا لهم خاصة, وانما جعل لهم السبت اي شرع العطلة يوم السبت على الذين اختلفوا
فيه وهم بنو اسرائيل.
وقال تعالى في سورة النساء:
يـسـالك اليهود من اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء, وقد سالوا نبيهم موسى
اكبر من ذلك وقـالـوا: ارنا اللّه جهارا لنبصره بعيوننا فعفونا عن ذلك ورفعنا فوقهم
الطور, واخذنا منهم العهود والـمـواثيق ان يعملوا بما جاء به موسى بن عمران, وكان
منه الايمان بانبياء اللّه وخاصة عيسى بن مـريم (ع) ومحمد بن عبد اللّه (ص) وافتروا
على مريم (ع), والاحكام التي فيها, فكفروا بيات اللّه وقـتـلـوا الانبياء, وصدوا عن
سبيله واخذوا الربا واكلوا اموال الناس, وبسبب ظلمهم حرمنا عـلـيـهم طييبات كان قبل
ذلك حلالا عليهم, ومما حرم اللّه عليهم صيد الاسماك يوم السبت لاهل القرية التي
كانت حيتان البحر تدنوا اليهم يوم السبت.
حصيلة البحث.
فضل اللّه بني
اسرائيل على معاصريهم من اقباط مصر وعمالقة الشام وسائر الامم, وبعث اللّه فيهم
النبيين كموسى وهارون وعيسى واوصـيائهم, وفي مقدمتها التوراة, واخذ منهم العهود والمواثيق
ان يعملوا بما انزل في كتبه وانعم عـليهم بالمن والسلوى واسالة الماء من الحجر
وغيرها, وفي مقابل كل تلك النعم جحدوا بيات اللّه وعـبدوا العجل واخذوا الربا
واكلوا اموال الناس وعملوا امورا امثالها من انواع التمرد على اللّه, فكانوا بحاجة
لتربية نفوسهم الى ما فرض اللّه عليهم من قتل نفوسهم وترك العمل للدنيا يوم السبت,
وقـد اخـتلفوا في ترك العمل يوم السبت كفعل اهل القرية التي كانت على ساحر البحر,
وحـرم عليهم ما حرم اسرائيل على نفسه من اكل الشحم ولحم الجمل وامثالهما ترويضا
لنفوسهم, وبـالاضـافـة الى ذلك كان بنو اسرائيل بحاجة الى تماسك قبلي بين اسباطها
لمقابلة الامم الطاغية الـمـحيطة بهم من عمالقة واقباط, فشرع اللّه لهم استقبال
خيمة الاجتماع للعبادة, قبل بناء سليمان الـمـسجد المسمى بهيكل سليمان, واجراء
الطقوس الدينية باشراف ابناء هارون, وكما ارسل اللّه الـيـهم عيسى بن مريم وامه
مريم من سلالة داود من سبط يهودا من بني اسرائيل, احل لهم بعض ما حرم عليهم كما قال
سبحانه على لسان عيسى (ع) في سورة آل عمران:
(ورسـولا الـى بني اسرائيل اني قد جئتكم بية من ربكم ومصدقا لما بين يدي من
التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (الاية 49 ـ 50).
وبـناء على ما اوردناه
تبين ان الانبيا من بني اسرائيل من موسى بن عمران (ع) الى عيسى بن مريم (ع) ارسلوا
الى بني اسرائيل, وان بعض الاحكام في شريعة التوراة انزلت لمصلحة بني اسرائيل اذا
فـان تلك الاحكام من قبيل تحريم ما حرم اسرائيل على نفسه كان امدها مؤقتا وانتهى
امد بعضها بـبـعثة عيسى بن مريم (ع), واحل لهم بعض ما حرم عليهم, وامد البعض كان
الى بعثة خاتم الانبياء (ص), فـجـاء خاتم الانبياء ببيان انتهاء امدها جميعا كما
اخبر اللّه سبحانه عن ذلك وقال تعالى في سورة الاعراف:
(الـذيـن يـتـبـعـون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة
والانجيل يامرهم بـالـمـعـروف ويـنهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم
الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) (الاية 157).
اصرهم: اي
التكاليف الشاقة عليهم.
كـان ذلـكم شان النسخ في شريعة موسى (ع) بالنسبة الى
الشرائع السابقة عليها ونسخ بعض ما في شريعة موسى (ع) في شريعة خاتم الانبياء (ص).
ونوع آخر من النسخ ما يقع في شريعة نبي واحد كالاتي بيانه:
لـمـعـرفـة معنى النسخ في شريعة نبي واحد نذكر
مثالا واحدا منه في شريعة خاتم الانبياء (ص) كالاتي بيانه:
من امثلة النسخ في
شريعة نبي واحد نسخ وجوب دفع الصدقة على من يريد ان يناجي الرسول (ص) كما جاء في
قوله تعالى في سورة المجادلة:
(يا ايها الذين آمنوا اذا ناجيتم الرسول
فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم واطهر فان لم تـجـدوا فـان اللّه غفور رحيم
ااشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فاذا لم تفعلوا وتاب اللّه عليكم فاقيموا
الصلاة وآتوا الزكاة واطيعوا اللّه ورسوله واللّه خبير بما تعملون) (الايات 12 ـ
13).
وجاء تفصيل الخبر في التفاسير كالاتي:
ان الـبـعـض مـن اصـحاب النبي (ص) كانوا يكثرون مناجاة النبي (ص), يظهرون بذلك نوعا من التقرب اليه والاختصاص به,
وكان من مكارم اخلاق الرسول (ص) انه لم يكن يرد طلب ذي حاجة الـيـه, وكـان ذلـك
يـضايق النبي (ص) ويصبر عليه, فنزل حكم اداء الصدقة لمن يريد ان يناجي الـرسـول
(ص), فـتـرك اولئكم نجوى الرسول وصرف علي بن ابي طالب دينارا بعشرة دراهم, وتصدق
بها عشر مرات, وناجى الرسول (ص) في ما كان يهمه, ولما تحققت الغاية في تربية
اولئك بهذا الحكم, وانتهى امد الحكم, رفع الحكم.
خلاصة بحث النسخ
ونتيجته.
كان يوم الجمعة يوما
مباركا ويوم راحة لبني آدم منذ عصر آدم (ع) الى عصر انبياء بني اسرائيل: موسى بن
عمران الى عيسى بن مريم 8. وايـضـا اجـرى آدم ومـن جـاء
بـعده من الانبياء الى عصر ابراهيم (ع) مناسك الحج في عرفات والـمشعر ومنى وطافوا
سبعا حول مكان البيت, ثم بنى ابراهيم واسماعيل البيت وطافا بعد ذلك مع من تبعهما في
الحج حول البيت.
ثم جدد نوح شريعة آدم وجاء بشريعة كشريعة خاتم الانبياء, وتبعه
الانبياء من بعده لقوله تعالى:
1 ـ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والنبيين من بعده).
2 ـ (وان من شيعته لابراهيم) ـ اي من شيعة نوح.
3 ـ قوله تعالى لخاتم انبيائه
ولامته:
ا ـ (اتبع ملة ابراهيم حنيفا).
ب ـ (فاتبعوا ملة ابراهيم
حنيفا).
اذا فـان شرايع الانبياء واحدة منذ اصطفاء الصفي آدم (ع) الى اجتباء
النبي الخاتم (ص), عدا ما كان من امر الشريعة التي ارسل.
اللّه بـهـا انبياء بني
اسرائيل من موسى بن عمران الى عيسى بن مريم حيث لوحظ فيها مصلحة بني اسرائيل لقوله
تعالى:
ا ـ (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه).
ب
ـ (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك) ـ اي على اليهود.
ج ـ (انـمـا جـعـل
الـسبت على الذين اختلفوا فيه) ـ اي جعل فرض تعطيل يوم السبت على الذين اختلفوا
فيه, وهم بنو اسرائيل.
وكـمـا جاء التصريح بذلك في العدد الرابع من الاصحاح
الثالث والثلاثين من سفر التثنية: (بناموس اوصانا موسى ميراثا لجماعة.
يعقوب) (موسى امرنا بسنة ميراثا لجماعة يعقوب).
وفي نسخة (بشريعة).
والحكمة في ذلك ان بني اسرائيل كانوا قوما معاندين لانبيائهم مشاكسين متابعين لاهواء نفوسهم
الامارة بالسوء والضعيفة.
امام اعدائهم يتخذون العجل الها لهم بعد ان فلق اللّه
البحر لهم ونجاهم من ذل عبودية فرعون وابوا ان يدخلوا الارض المقدسة التي جعلها
اللّه لهم خوفا وهلعا من قوم العمالقة الذين كانوا فيها,
وكان تهذيب نفوسهم واصلاحها في تشديد الشرع لهم من جانب, بامر المؤمنين الذين لم
يعبدوا العجل المرتدين منهم بقتل الذين عبدوا العجل, وتحريم العمل يوم السبت عليهم
وابتلائهم بالتيه في صحراء سيناء اربعين سنة.
ومن جانب آخر لما كانوا الامة
المؤمنة الوحيدة في عصرهم وهي محاطة بامم كافرة معتدية قوية مـن حـولـهم, احتاجوا
الى رباط قوي يشد بعضهم الى بعض ويكون منهم امة متميزة عن الاخرين, متماسكة فيما
بينها, لذلك كله شرع لهم قبلة خاصة بهم فيها التابوت الذي حوى الواح التوراة الكتاب
الـذي انـزلـه اللّه تـشريعا لهم وتشريعا يناسب ظروفهم (وبقية مما ترك آل موسى وآل
هارون) (البقرة 248), الى غير ذلك من التشريعات المناسبة لظروف بني اسرائيل يومذاك.
فـي عـصـر عيسى بن مريم (ع) انتهى امد بعض تلك التشريعات بانتهاء بعض تلك الضروف,
فاحل عيسى (ع) بعض تلك المحرمات بامر من اللّه.
وعلى عهد خاتم الانبياء انتشر
بنو اسرائيل في البلاد وحشروا بين الناس, وكان يضيرهم ويضير الامـم التي يعيشون
بينهم ان يشعر بنو اسرائيل انهم ليسوا من الامة التي يعيشون معها, وانهم جسم غـريـب
عن جيرانهم واهل بلدهم, وكذلك يكون شعور اهل البلد مع الاسرائيلي بانه غريب عنهم,
ومبعث قلاقل ومشاكل للمجتمع الواحد الذي يعيش الجميع فيه, ولذلك اصبحت الاحكام التي
تفصلهم عـن الامم غلا في اعناقهم, مثل تحريم العمل عليهم يوم السبت خلافا لسائر
الامم التي تتخذ غير يـوم الـسـبـت يوم راحة عن العمل, واصرا عليهم, كما ورد شرحها
وتفصيلها في سفر التثنية من الترواة, فاحل لهم خاتم الانبياء (ص) وبامر من اللّه ما
حرم عليهم في العصور السابقة, وقال تعالى في سورة الاعراف:
(الـذيـن يـتـبـعـون
الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم
بـالـمـعـروف ويـنهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم
اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) (الاية 157).
وهـكذا رفع اللّه عنهم الاحكام
التي كانت تصلح لهم في العصور السابقة واصبحت غلا عليهم حين عـايـشـوا الـنـاس كل
الناس في كل مكان, اما الاحكام التي وردت في شريعة موسى بلحاظ ان بني اسـرائيـل مـن
الناس فلم ترفع ولم تنسخ مثل حكم القصاص, كما يخبر اللّه عنه ويقول في سورة
المائدة:
(انـا انزلنا التوارة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا
للذين هادوا وكتبنا عليهم فيها ان الـنفس بالنفس والعين بالعين والاذن بالاذن والسن
بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم
الظالمون) (الايتان 44 ـ 45).
فـان حكم القصاص هذا كان جاريا قبل التوراة وبعدها
الى اليوم, وكذلك سائر الاحكام التي شرعها اللّه للانسان بلحاظ كونه انسانا لم.
تتغير ولم تتبدل في عصر من العصور, وفي شريعة من شرايع الانبياء.
ولـمـا
بـدل اللّه بـعض احكام شريعة موسى باحكام اخرى في شريعة خاتم الانبياء, كما شرحناه, اعـتـرضـت قريش على رسول اللّه كما اخبر اللّه عنه في سورة النحل وقال (وقالوا له
انما انت تفتري على اللّه) فرد اللّه عليهم قولهم وقال سبحانه: (واذا بدلنا آية
مكان آية قالوا: انما انت مفتر انـمـا يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بيات اللّه
فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا) مثل لحم الجمل وشحوم لحم الحيوانات فهي غير
محرمة عليكم, انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهـل بـه لـغـير اللّه
عند ذبحه, واللاتي كان المشركون في مكة يعملون بها مثل تقديمهم القرابين لاصـنامهم,
ثم نهاهم ان يفتروا على اللّه ويقولوا هذا حلال وذاك حرام كما شرحه اللّه في سورة
الانعام وقال سبحانه:
(وقـالـوا هـذه انعام وحرث حجر لا يطعمها الا من نشاء
بزعمهم وانعام حرمت ظهورها وانعام لا يـذكـرون اسم اللّه عليها افتراء عليه وقالوا
ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا وان يكن ميتة فهم فيه
شركاء سيجزيهم وصفهم) (الانعام 138 ـ 139).
واشار اليها في سورة يونس وقال
سبحانه:
(قـل ارايـتـم مـا انـزل اللّه لـكم من رزق فجعلتم منه حلالا وحراما قل
اللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون) (الاية 59).
وهـكذا كانت مسالة التحريم
والتحليل مورد جدال بين مشركي قريش ورسول اللّه (ص) سواء ما كـان منها ما هم شرعوه
وخالفها رسول اللّه (ص), او ما شرعه اللّه في شريعة موسى وبدلها اللّه باخرى بحسب
المصلحة في شريعة خاتم الانبياء (ص).
هكذا كانت قريش في مكة تخاصم رسول اللّه
(ص) في ما احل وحرم بامر من اللّه, مخالفا للمالوف عـندهم في ما اتخذوه دينا لهم
وفي ما عرفوه من شريعة موسى بن عمران, ووقعت نفس الخصومة فـي المدينة من اليهود مع
النبي في بعض الاحكام التي نسخ بها بعض ما جاء في التوراة, كما شرحها اللّه في سورة
البقرة وقال سبحانه مخاطبا لنبي اسرائيل:
(افكلما جاءكم رسول بما لا تهوى
انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) (الاية 87).
(واذا قيل لهم آمنوا
بما انزل اللّه قالوا نؤمن بما انزل علينا ويكفرون بما وراءه) (الاية 91).
(ما
ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها) (الاية 106).
(ولن ترضى عنك
اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (الاية 120).
وانـمـا كانت مجادلة بني
اسرائيل مع رسول اللّه (ص) حول ما نسخ من احكام التوراة واهمها نسخ القبلة الى
البيت الذي اخبر اللّه عنه في سورة البقرة وقال تعالى ما موجزه:
(قد نرى تقلب
وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) فولوا وجوهكم اينما كنتم شطر المسجد الحرام
وان الذين اوتوا الكتاب سواء اليهود منهم او النصارى يعلمون انه الحق من ربهم وان
الذين لا يتبعون قبلتك مهما تاتهم بية من اللّه لا يقبلون منك.
اذا فـان
الـمـقـصود من نسخ الاية في هذا المورد نسخ هذا الحكم, كما ان المقصود من تبديل آية
بـاخـرى في مجادلة قريش بشانها رسول اللّه (ص) تبديل بعض احكام الحلال والحرام بمكة
عند قريش وغير قريش.
وبناء على هذا تبين ان المقصود من (آية) في قوله تعالى
(واذا بدلنا آية مكان آية): واذا بدلنا حكما مكان حكم.
وفي قوله تعالى: (ما ننسخ
من آية او ننسها): ماننسخ من حكم او نؤجله نات بخير منه او مثله.
ومثال تاجيل
الحكم تاجيل حكم استقبال الكعبة في شريعة موسى وتبديله بحكم استقبال بيت المقدس
الذي كان فيه الخير يومذاك لنبي.
اسرائيل.
ومـثـال نـسخ
حكم وتبديله بحكم خير منه نسخ حكم استقبال بيت المقدس في شريعة خاتم الانبياء بحكم
استقبال الكعبة للناس كل الناس ابد الدهر.
وكذلك الامر في تبديل آية مكان آية,
المقصود حكم مكان حكم.
وكذلك تبين ان الاحكام التي يشرعها اللّه للناس قد يلاحظ
فيها مصلحة الانسان من حيث هو انسان, فتلك التي لا تبديل فيها كما اخبر اللّه عنه
في قوله تعالى في سورة الروم:
(فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر
الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون)
(الاية 30).
لا تبديل لما شرع اللّه للناس متناسبا مع فطرتهم مثل قوله تعالى في
سورة البقرة:
(والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة)
(الاية 233).
سواء كانت الوالدة حواء زوجة آدم (ع) وترضع ولدها من آدم فى ظل
شجرة او كهف, او من نسلت من بعدها من مختلف العصور من سكان الكهوف او الخيم او
القصور.
وكـذلـك لا يتغير حكم الصوم لبني آدم والقصاص وحرمة الربا كما قال
سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
ا ـ (يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما
كتب على الذين من قبلكم) (الاية 183).
ب ـ (يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم
القصاص) (الاية 178).
ج ـ (واحل اللّه البيع وحرم الربا) (الاية 275).
الـى
غـيـرها مما شرعه اللّه للانسان متناسبا مع فطرته التي فطره عليها, فان احكامها لا
تتبدل في شـريعة عن شريعة اخرى من شرايع الانبياء ويعبر عن تلكم الاحكام في القرآن
بلفظ (وصى اللّه ويوصيكم وصيته) و(كتب كتابه).
وما شرع اللّه لبعض الاناس
متناسبا مع ظروفهم الخاصة بهم فتلك ينتهي امدها بانتهاء تلك الظروف, مثل ما ذكرنا
من الاحكام التي شرعت لبني اسرائيل متناسبا مع ظروفهم الخاصة لهم, وما شرع اللّه
لـلـمهاجرين مع النبي من مكة الى المدينة من التوارث بينهم وبين من تخى معهم من
الانصار في بدء الـهـجرة, ثم انتهى امده بعد فتح مكة, ونسخ الحكم كما اخبر اللّه
عنه في الايات (72 ـ 75) من سورة الانفال بقوله تعالى:
(انـ الـذين آمنوا
وهاجروا ـ من مكة ـ والذين آووا ونصرواـ وهم الانصار في المدينة ـ اولئك بعضهم
اولياء بعض ـ ولاية الارث والنصرة ـ والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من
شي ء حتى يهاجروا والذين كفروا بعضهم اولياء بعض).
ثم اخبر اللّه بنسخ هذا الحكم
بقوله تعالى:
(واولـوا الارحـام بـعـضـهـم اولـى بـبعض في كتاب اللّه)
اي في ما كتب اللّه وشرع للناس كل الناس.
وفي سورة آل عمران قال تعالى:
(وقـتلهم الانبياء
بغير حق قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات فلم قتلتموهم فان كذبوك فقد كذب رسل من
قبلك) (الايات 180 ـ 184).
لـمـا جـاء الـيـهـود القرآن من عند اللّه وكانت صفات
القرآن تصدق الاخبار التي عندهم عن بعثة الـرسـول الـخـاتـم بالقرآن كفروا به
وقالوا نؤمن بالتوراة التي انزلت علينا ويكفرون بغيرها من الانجيل والقرآن واخبر
اللّه انه انزل اليه آيات واضحات في القرآن وما اوتي من معجزات واحكام فـي القرآن
وما يكفر بها الا الفاسقون وقال سبحانه: ما ننسخ من احكام شريعة مثل نسخ استقبال
بيت الـمـقـدس او نـنـسها ونؤجل بيانها نات باحكام خير منها للناس او بمثلها,
واللّه هو مالك السموات والارض يـفعل ما يشاء, وان اليهود والنصارى لن ترضى عن رسول
اللّه حتى يترك ما نزل عليه من احكام الشريعة ويتبع احكام شريعتهم.
وكرر اللّه
سبحانه هذا المفهوم بلفظ آخر في سورة الاسراء وقال:
(وآتـيـنا موسى الكتاب
وجعلناه هدى لبني اسرائيل), ثم قال: (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم) مما في
كتاب موسى (ع).
الى هنا ذكرنا في بحوث الربوبية كيف شرع اللّه رب العالمين
للانسان نظاما يتناسب وفطرته, ثم هـداه لـلعمل بما شرع له, وفي البحث الاتي ندرس
باذنه تعالى من صفات الربوبية كيف يجزي رب العالمين الانسان بثار عمله في الدنيا
والاخرة.