عقائد الشيعة الإمامية >> العلامة العسكري

 

العقـائــد الإسـلاميــة في القــرآن الكريــم

 

(7)

صفـات المبلغيـن عـن الله تعالـى

 

1ـ ابليس لا سلطان له على خلفاء اللّه في الارض.
2ـ اثر العمل وخلوده وانتشار بركة الاعمال وشؤمها على الزمان والمكان.
3ـ عصمة خلفاء اللّه عن المعصية لرؤيتهم ذلك.
4ـ روايـات مـكـذوبة على نبي اللّه داود في زواجه بارملة اوريا وعلى خاتم الانبياء في زواجه بزينب مطلقة من تبناه ,.
والحكمة في الامرين.

5ـ آيات اخطاوا في تاويلها.


 

1- إبليس لا سلطان له على خلفاء اللّه في الارض

اخـبـر اللّه سبحانه في سورة الحجر ان ابليس لاسلطان له على عباده المخلصين, في ذكره مادار بينه وبين ابليس من محاورة وذلك في قوله تعالى:
(رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين قال ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين) (الايات 39 ـ 42).
واخـبر تعالى عما جرى بين يوسف وزليخا, وكيف يعصم اللّه المخلصين من اغواء الشيطان, حيث قـال تـعـالـى في سورة يوسف: (ولقد همت به وهم بها لولا ان راى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين) (الاية 24).
وعـرفنا ان الوصف المذكور من شروط الامامة في ما اخبر اللّه عما دار بينه وبين خليله ابراهيم (ع) في سورة البقرة, وقال:
(واذ ابـتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (الاية 124).
وذكر في سورة الانبياء ان الذين جعلهم ائمة, يهدون بامره وقال تعالى:
(وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا) (الاية 73).
وذكـر مـنهم في تلك السورة نوحا وابراهيم ولوطا واسماعيل وايوب وذا الكفل ويونس وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى (ع).
وكان في من وصفهم بالامامة في هذه السورة: النبي والرسول والوزير والوصي اذا فقد بان لنا ان اللّه تبارك وتعالى اشترط لمن جعله اماما ان يكون غير ظالم.
وقد وصف اللّه الامام بانه خليفته في الارض كما ورد في خطابه لداود (ع) في سورة ص:
(يا داود انا جعلناك خليفة في الارض) (الاية 26).
وورد في وصفه لادم (ع) في خطابه للملائكة في سورة البقرة:
(واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة) (الاية 30).
كما سنشرحه بعد تفسير كلمات الايات ان شاء اللّه تعالى.
شرح الكلمات:
ا ـ اغويتني, ولاغوينهم, والغاوين.
غوى فهو غاو: انهمك في الغي.
واغـواه: اضـله واغراه وقصد اللعين بقوله اغويتني: انه تعالى بلعنه وقوله له قبل هذه الاية (وان عـليك اللعنة الى يوم الدين) ابعده عن رحمته جزاء تمرده وامتناعه عن السجود لادم كما قال تعالى في سورة البقرة: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا.
الفاسقين) (الاية 26).
ب ـ لازينن لهم:
اي: احـسـن لـهـم سوء اعمالهم كما قال سبحانه وتعالى: (زين لهم الشيطان اعمالهم) (الانفال 48 والنحل 24 والعنكبوت 37) و(زين لهم سوء اعمالهم) (التوبة 37).
ج ـ المخلصين.
المخلصون: هم الذين اخلصهم اللّه لنفسه بعدما اخلصوا انفسهم للّه, فليس في قلوبهم محل لغيره.
د ـ ابتلى:
بلاه بلاء وابتلاه ابتلاء: امتحنه واختبره بالخير والشر والنعمة والنقمة.
هـ ـ بكلمات:
الـمقصود من الكلمات هنا قضايا امتحن اللّه بها ابراهيم (ع), مثل ابتلائه بعباد الكواكب والاصنام, واحراقه بالنار, وتضحيته بابنه, وامثالها.
و ـ فاتمهن:
اي اكمل اداءهن.
ز ـ جاعلك:
وردت (جعل) بمعنى: خلق واوجد وحكم وشرع وقرر وصير, والاخير هو المقصود هنا.
خ ـ اماما:
الامام: هو المقتدى للناس في الاقوال والافعال.
ط ـ الظالمين:
الظلم: وضع الشي ء في غير موضعه والظلم ـ ايضا ـ تجاوز الحق
والظلم ثلاثة انواع:

اولاـ ظلم بين الانسان وربه, واعظمه الشرك والكفر, كما قال سبحانه في سورة لقمان:
(ان الشرك لظلم عظيم) (الاية 13).
وفي سورة الانعام:
(فمن اظلم ممن كذب بيات اللّه) (الاية 157).
ثانيا ـ ظلم بين الانسان وغيره, كما قال سبحانه وتعالى في سورة الشورى:
(انما السبيل على الذين يظلمون الناس) (الاية 42).
ثالثا ـ ظلم الانسان نفسه, كما قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) (الاية 231).
وفي سورة الطلاق:
(ومن يتعد حدوداللّه فقد ظلم نفسه) (الاية 1).
وكل نوع من الظلم ظلم للنفس.
يقال لمن اتصف بالظلم في اي زمان من عمره المتقدم منه او المتاخر: ظالم.
ى ـ همت به وهم بها.
هم بالامر: عزم على القيام به ولم يفعله.
ك ـ راى:
راى بالعين: نظر, وبالقلب: ابصر, وادرك.
ل ـ برهان:
البرهان: اوكد الادلة, والحجة والبينة الفاصلة, وما رآه يوسف اكثر من هذا.
تاويل الايات واللّه اعلم:
قـال ابـلـيس لرب العالمين: رب بما لعنتني وابعدتني عن رحمتك لازيين للناس في دار الدنيا الاعمال السيئة, كما قال سبحانه:
ا ـ في سورة النحل:
(لقد ارسلنا الى امم من قبلك فزين لهم الشيطان اعمالهم) (الاية 63).
ب ـ في سورة الانفال:
(واذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم) (الاية 48).
ج ـ في سورة النمل:
( يسجدون للشمس من دون اللّه وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل) (الاية 24).
وقال الشيطان: لازينن للناس اعمالهم ولاغوينهم اجمعين الا عبادك الذين اصطفيتهم لنفسك.
وقـال اللّه فـي جوابه: انك لا سلطة لك الا على من اتبعك من المنهمكين في الغي والضلالة, واخبر تعالى عن شان عباده المخلصين في ما حكاه عن خبر يوسف (ع) وزليخا, حيث قال: (ولقد همت به وهم بها لولا ان راى برهان ربه) في بيت خلا عن كل انسان ما عدا يوسف (ع).
وزليخا عزيزة مصر ومالكة يوسف همت ان تنال ماربها من يوسف, ولولا ان يوسف راى برهان ربه لـهـمـ بـقتلها وهو السوء, او هم بالفحشاء كما هو مقتضى طبيعة الحال التي كان عليها الفتى مكتمل الـرجـولـة غير المتزوج مع مالكته الفتاة مكتملة الانوثة المترفة في بيت خلا من كل احد, ولكنه راى برهان ربه واستعصم, فقد كان ممن اخلصه اللّه لنفسه فما هو البرهان الذي رآه يوسف (ع)؟ وكيف رآه ؟.

ان يوسف (ع) راى آثار العملين على نفسه كالاتي بيانه:


2 و3 ـ اثـر الـعمل وخلوده وانتشار البركة والشؤم من بعض الاعمال على الزمان والمكان وعصمة خلفاء اللّه عن المعصية لرؤيتهم ذلك.
لـمـعـرفة معنى عصمة الانبياء ينبغي ان ندرس كيفية انتشار البركة والشؤم على الزمان والمكان وآثار اعمال الانسان في الدنيا والاخرة, فنستعين اللّه ونقول:
قال اللّه سبحانه وتعالى:
(شـهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (الاية 185).
ب ـ في سورة القدر:
(انـا انـزلـنـاه فـي ليلة القدر وما ادراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام هي حتى مطلع الفجر).
انـزل اللّه الـقـرآن على خاتم انبيائه في ليلة من ليالي شهر رمضان, فاصبحت تلك الليلة ليلة القدر تتنزل الملائكة والروح فيها كل سنة بامر ربهم ابد الدهر, وانتشرت البركة من تلك الليلة الى كل شهر رمضان كذلك ابد الدهر.
وسـنـدرس في بحث النسخ ان شاء اللّه تعالى ان الجمعة اصبحت مباركة منذ عهد آدم (ع) لما انزل اللّه سـبحانه وتعالى فيها من البركات على آدم (ع), وان عصر التاسع من ذي الحجة اصبح مباركا يـغـفـر اللّه ذنـوب عـباده فيه بمنى لنزول المغفرة على آدم (ع) فيه, واصبحت اراضي عرفات والـمشعر ومنى اراضي مباركة في التاسع والعاشر من ذي الحجة على كل بني آدم (ع) بعد ذلك, وبقي اثرها كذلك ابد الدهر.
وكـذلـك اصبح اثر قدمي ابراهيم (ع) في البيت على تلك الكتلة من الطين التي رقى عليها ابراهيم (ع) لبناء جدار البيت مباركا, فامرنا اللّه باتخاذها مصلى بعد ذلك ابد الدهر وقال: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى).
وكذلك الشان في انتشار الشؤم كما كان من امر بيوت عاد في الحجر بعد نزول العذاب عليهم, كما اخـبـرنـا رسول اللّه (ص) عنها عند مروره عليها في غزوة تبوك, وجاء خبره في كتب الحديث والسيرة, وقالوا ما موجزه:
لما سار رسول اللّه (ص) الى غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة مر بالحجر ـ ديار ثمود بوادي الـقرى في طريق الشام من المدينة ـ فنزل قبل ان يمر بها, فاستقى الجيش من بئرها, فنادى منادي الـنبي ان (لا تشربوا من ماء بئرهم, ولا تتوضاوا منه للصلاة) فجعل الناس يهريقون ما في اسقيتهم وقالوا: (يا رسول اللّه قد عجنا, قال: اعلفوها الابل خوف ان يصيبكم مثل ما اصابهم).
ولـما ارتحل ومر بالحجر, سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته وفعل الجيش كذلك, وقال رسول اللّه (ص):
(لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا الا وانتم باكون).
وجـاءه رجل بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذبين, فاعرض عنه واستتر بيده ان ينظر اليه, وقـال: القه ووقع نظير ذلك للامام علي (ع) كما رواه نصر بن مزاحم وغيره, واللفظ لنصر في كتابه (وقعة صفين) بسنده, وقال:
كان مخنف بن سليم يساير عليا ببابل فقال الامام علي (ع): (ان ببابل ارضا خسف بها فحرك دابتك لعلنا نصلي العصر خارجا منها).
قـال: فـحـرك دابـتـه وحـرك الـنـاس دوابـهـم في اثره, فلما جشر الصراة نزل فصلى بالناس العصر.
وفي رواية راو آخر:
قـطـعنا مع امير المؤمنين جسر الصراة في وقت العصر, فقال: (ان هذه ارض معذبة لا ينبغي لنبي ولا وصي نبي ان يصلي فيها).
هكذا كان للبركة انتشار من االزمان الذي بارك اللّه فيه لعبد من عباده المخلصين, وللشؤم انتشار من الزمان الذي غضب فيه على عبيده الاشقياء.
وسـوف نرى في بحث آثار العمل الاتي ان لاعمال الناس آثارا خالدة في الدنيا وفي الاخرة تتجسد لتخلد نارا وقودها الناس والحجارة, او نعيما في جنات عدن وكل ذلكم الانتشار وتلكم الاثار يراها عباد اللّه المخلصون ويدركونها, فتدفعهم الى الاجتهاد في اداء الاعمال الصالحة واجتناب الاعمال السيئة من الفحشاء والسوء والمنكر.
وتلكم الرؤية هي برهان اللّه الذي يؤتي اللّه من عباده من تزكى وآثر رضى اللّه على هوى النفس الامارة بالسوء, ومن ثم لا تصدر من عباده المخلصين معصية موبقة, ومثلهم في ذلك مثل انسان بصير وآخـر ضـريـر يسيران معا في طريق واحد كثيرة العثرات والمهاوي المردية, يتجنبها البصير وينبه صاحبه الضرير ليتجنبها.
او كمثل اناس عطاشى امامهم ماء تتوق انفسهم الى شربه ليبردوا به حرارة عطشهم, وفيهم طبيب مـعـه مـجهر نظر من خلاله الى ذلك الماء وابصر فيه انواعا من الجراثيم المهلكة, واخبر صحبه بلزوم تصفية الماء قبل الاستفادة منه.
هـكـذا مثل عباد اللّه المخلصين في رؤيتهم البرهان وتبصرهم بحقائق الاعمال وآثارها السيئة او الـحسنة, فهم مع تلك الرؤية لقبح فعل المعصية وشناعتها في الدنيا وتجسده نارا محرقة خالدة في الاخـرة, لا يـمكن ان يقدموا على العمل بها مختارين وغير مجبورين على تركها, او ممنوعين من قبل اللّه من اتيانها.
ومـا يـوردون مـن شـبهات حول عصمة الانبياء مستشهدين بيات متشابهة, اخطاوا في تاويل بعضها وفـسروا بعضها الاخر بروايات زائفة ولكي لا يطول البحث نكتفي بايراد امثلة من النوعين في ما
ياتي:


4- روايات مكذوبة على نبي اللّه داود وعلى خاتم الانبياء. روايات مكذوبة على نبي اللّه داود في زواجه بارملة اوريا, وعلى خاتم الانبياء في زواجه بزينب مطللقة من تبناه بروايات زائفة, والحكمة في الامرين.
نـدرس من هذا النوع الروايات التي وردت في خبر زواج داود بارملة اوريا, وزواج خاتم الانبياء (ص) بمطلقة زيد كالاتي:
ا ـ زواج داود (ع) في القرآن الكريم:
قال اللّه سبحانه في سورة ص:
(اصـبـر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له اواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وهل اتاك نبا الـخصم اذ تسوروا المحراب اذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لاتخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم وظن داود انما فتناه فـاسـتـغفر ربه وخر راكعا واناب فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مب يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) (الايات 17 ـ 26).

تاويل الايات في روايات مدرسة الخلفاء

الـروايـات بـمدرسة الخلفاء في تاويل آيات خبر حكم داود (ع) كثيرة, ونحن نكتفي في ما ياتي بايراد ثلاثة نماذج منها باذنه تعالى:

اـ رواية وهب بن منبه:

روى الطبري في تاويل الاية عن وهب انه قال:
(لـمـا اجـتمعت بنو اسرائيل على داود, انزل اللّه عليه الزبور, وعلمه صنعة الحديد, فالانه له, وامـر الـجـبال والطير ان يسبحن معه اذا سبح, ولم يعط اللّه ـ فيما يذكرون ـ احدا من خلقه مثل صـوته, كان اذا قرا الزبور ـ فيما يذكرون ـ تدنو له الوحوش حتى ياخذ باعناقها, وانها لمصيخة تـسـمـع لـصوته, وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج الا على اصناف صوته, وكان شديد الاجتهاد, دائب العبادة, فاقام في بني اسرائيل, يحكم فيهم بامر اللّه نبيا مستخلفا, وكان شديد الاجـتـهـاد مـن الانبياء, كثير البكاء, ثم عرض من فتنة تلك المراة ما عرض له, وكان له محراب يـتـوحد فيه لتلاوة الزبور ولصلاته اذا صلى, وكان اسفل منه جنينة لرجل من بني اسرائيل, كان عند ذلك الرجل المراة التي اصاب داود فيها ما اصابه.
وانـه حـين دخل محرابه ذلك اليوم, قال: لا يدخلن علي محرابي اليوم احد حتى الليل, ولا يشغلني شـي ء عـمـا خلوت له حتى امسي, ودخل محرابه ونشر زبوره يقرؤه, وفي المحراب كوة تطلعه على تلك الجنينة, فبينا هو جالس يقرا زبوره, اذ اقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوة, فرفع راسـه فـرآها فاعجبته, ثم ذكر ما كان قال: لا يشغله شي ء عما دخل له, فنكس راسه, واقبل على زبـوره, فـتصوبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوة, فوقعت بين يديه, فتناولها بيده, فاستاخرت غـيـر بـعيد, فاتبعها, فنهضت الى الكوة, فتناولها في الكوة, فتصوبت الى الجنينه, فاتبعها بصره اين تـقـع, فاذا المراة جالسة تغتسل, بهيئة اللّه اعلم بها في الجمال والحسن والخلق فيزعمون انها لما راتـه نـقـضت راسها فوارت به جسدها منه, واختطفت قلبه, ورجع الى زبوره ومجلسه, وهي من شـانـه, لا يفارق قلبه ذكرها, وتمادى به البلاء, حتى اغزى زوجها, ثم امر صاحب جيشه ـ فيما يـزعـم اهل الكتاب ـ ان يقدم زوجها للمهالك, حتى اصابه بعض ما اراد به من الهلاك, ولداود تسع وتـسـعـون امراة, فلما اصيب زوجها خطبها داود, فنكحها, فبعث اللّه اليه وهو في محرابه ملكين يـخـتـصمان اليه, مثلا يضرب له ولصاحبه, فلم يرع داود الابهما واقفين على راسه في محرابه, فقال: ماادخلكما علي؟ لا تخف, لم ندخل لباس ولا لريبة (خصمان بغى بعضنا على.
بـعض) فجئناك لتقضى بيننا (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط, واهدنا الى سواء الصراط): اي احملنا على الحق, ولا تخالف بنا الى غيره, قال الملك الذي يتكلم عن اوريا بن حنانيا زوج المراة: (ان هذا اخي): اي على ديني (له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة, فقال اكفلنيها): اي احملني عليها, ثم عـزنـي في الخطاب: اي قهرني في الخطاب, وكان اقوى مني هو واعز, فحاز نعجتي الى نعاجه, وتـركـني لا شي ء لي فغضب داود, فنظر الى خصمه الذي لم يتكلم, فقال: لئن كان صدقني ما يقول, لاضـربن بين عينيك بالفاس, ثم ارعوى داود, فعرف انه هو الذي يراد بما صنع في امراة (اوريا), فـوقع ساجدا تائبا منيبا باكيا, فسجد اربعين صباحا صائما لا ياكل فيها ولا يشرب, حتى انبت دمعه الخضر تحت وجهه وحتى اندب السجود في لحم وجهه, فتاب اللّه عليه وقبل منه.
ويزعمون انه قال: اي رب هذا غفرت ما جنيت في شان المراة, فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل له: يا داود ـ فيما زعم اهل الكتاب ـ اما ان ربك لم يظلمه بدمه ولكنه سيساله اياك فيعطيه, فيضعه عنك, فـلـما فرج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى: بطن راحته, فما رفع الى فيه طعاما ولا شـرابـا قـط الا بكى اذا رآها, وما قام خطيبا في الناس قط الا نشر راحته فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته.

ب ـ رواية الحسن البصري:

روى الطبري والسيوطي في تفسير الاية عن الحسن البصري انه قال:
ان داود جزا الدهر اربعة اجزاء: يوما لنسائه, ويوما لعبادته, ويوما لقضاء بني اسرائيل, ويوما لبني اسـرائيل, يذاكرهم ويذاكرونه, ويبكيهم ويبكونه, فلما كان يوم بني اسرائيل قال: ذكروا فقالوا: هـل ياتي على الانسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فاضمر داود في نفسه انه سيطيق ذلك, فلما كان يوم عبادته, اغلق ابوابه, وامر ان لا يدخل عليه احد, واكب على التوراة, فبينما هو يقرؤها, فاذا حمامة من ذهب, فيها من كل لون حسن, قد وقعت بين يديه, فاهوى اليها لياخذها, قال: فطارت, فوقعت غير بـعيد من غير ان تؤيسه من نفسها, قال: فما زال يتبعها حتى اشرف على امراة تغتسل, فاعجبه خلقها وحسنها, قال: فلما رات ظله في الارض, جللت نفسها بشعرها, فزاده ذلك ايضا اعجابا بها, وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه, فكتب اليه ان يسير الى مكان كذا وكذا, مكان اذا سار اليه لم يرجع, قال: ففعل, فاصيب فخطبها فتزوجها.

ج ـ رواية يزيد الرقاشي عن انس بن مالك:

اخرج الطبري والسيوطي بتفسير الاية بسندهما عن يزيد الرقاشي ما موجزه:
عن يزيد الرقاشي عن انس بن مالك, سمعه يقول:
سمعت رسول اللّه (ص) يقول: ان داود (ص) حين نظر الى المراة قطع على بني اسرائيل واوصى صـاحب الجيش فقال: اذا حضر العدو تضرب فلانا بين يدي التابوت, وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل او ينهزم منه الجيش, فقتل وتزوج المراة, ونـزل الـملكان على داود (ع), فسجد فمكث اربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على راسـه, فـاكـلـت الارض جـبـينه وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة ابعد مما بين المشرق والـمـغرب, رب ان لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده فجاء جـبريل (ع) من بعد اربعين ليلة فقال: ياداود ان اللّه قد غفر لك وقد عرفت ان اللّه عدل لا يميل, فكيف بفلان اذا جاء يوم القيامة فقال: يا رب دمي الذي عند داود؟ قال جبريل: ما سالت ربك عن ذلك فـان شـئت لافـعلن, فقال: نعم, ففرح جبريل وسجد داود (ع), فمكث ما شاء اللّه ثم نزل فقال: قد سـالت اللّه يا داود عن الذي ارسلتني فيها فقال: قل لداود ان اللّه يجمعكما يوم القيامة فيقول هب لي دمـك الـذي عـنـد داود, فيقول هو لك يا رب, فيقول: فان لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا.
هكذا جاءت الروايات عن خبر نبي اللّه داود (ع) في التفاسير وفي ما ياتي ندرس اسانيدها:

دراسة اسانيد الروايات:

ا ـ وهب بن منبه:

كان ابوه من ابناء الفرس الذين بعث بهم كسرى الى اليمن وفي ترجمته بطبقات ابن سعد ما موجزه:
قـال وهـب: قـرات اثنين وتسعين كتابا كلها انزلت من السماء, اثنان وسبعون منها في الكنائس وفي ايدي الناس, وعشرون لا يعلمها الا قليل (ت 110 هـ).
وقـال الدكتور جواد علي: يقال ان وهبا من اصل يهودي, وكان يزعم انه يتقن اليونانية والسريانية والحميرية وقراءة الكتابات القديمة وذكر في كشف الظنون من تليفه (قصص الانبياء).

ب ـ الحسن البصري:

ابـو سـعيد, كان ابوه مولى زيد بن ثابت الانصاري, ولد لسنتين بقيت من خلافة عمر, وعاش ومات فـي الـبـصـرة سنة 110 هـ, وكان غاية في الفصاحة والبلاغة, مهابا عند الناس وسلطة الخلافة, واماما لاتباع مدرسة الخلفاء بالبصرة.
رايه:
يـظـهر من روايات وردت بترجمته في طبقات ابن سعد انه كان يقول بالقدر ويناظر فيه, ثم رجع عنه, وانه كان لا يرى الخروج على السلطة الظالمة كالحجاج.

قيمة رواياته:

في ترجمته بميزان الاعتدال كـان الـحـسن كثير التدليس فاذا قال في حديث: عن فلان ضعف لحاجة, ولا سيما عمن قيل انه لم يسمع منهم كابي هريرة ونحوه, فعدوا ما كان له عن ابي هريرة في جملة المنقطع واللّه اعلم.
اي ان الحسن اذا قال في حديث: (عن فلان) ضعفت روايته عن فلان لحاجته الى ذلك القول, لا سيما فـي ما يرويه عمن لم يسمعهم مثل رواياته عن ابي هريرة ونحوها ممن روى عنهم في حين انه لم يشاهدهم.
وبترجمته بطبقات ابن سعد بسنده عن علي بن زيد انه قال:
حـدثت الحسن بحديث فاذا هو يحدث به, قال: قلت يا ابا سعيد انا حدثتكم.
وروى ـ ايضا ـ انه قيل له: ارايت ما تفتي الناس اشياء سمعتها ام برايك؟ فقال: لا واللّه ما كل ما نفتي به سمعناه, ولكن راينا خير لهم من رايهم لانفسهم.
تـخرج من مدرسته واصل بن عطاء (ت: 131 هـ) مؤسس مذهب الاعتزال, وابن ابي العوجاء احد مشاهير الزنادقة قيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت في مالا اصل له ولا حقيقة كان مخلطا, يقول طورا بالقدر وطورا بالجبر, فما اعلمه اعتقد مذهبا فدام عليه.
قتله على الزندقة والي الكوفة سنة 155 هـ, قال عند قتله: (لئن قتلتموني لقد وضعت اربعة آلاف حـديـث احـرم فـيـه مـا احـلـ اللّه, واحرم فيه ما احل اللّه, فطرتكم يوم صومكم وصومتكم يوم فطركم).

ج ـ يزيد بن ابان الرقاشي:

المحدث القاص البصري والزاهد البكاء من غير دراية وفقه.
في ترجمته في تهذيب الكمال للمزي وتهذيب التهذيب لابن حجر ما موجزه.
ا ـ عن زهده:
جوع نفسه وعطشها, ذبل جسمه ونهك بدنه وتغير لونه كان يبكي ويبكي جلساءه ويقول ـ مثلا: تـعالوا نبكي على الماء البارد يوم الظما, ويقول: على الماء البارد السلام بالنهار, قال: وفعل مالم يقله رسـول اللّه ولـم يـفعله, وقال اللّه سبحانه: (قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا).
ب ـ عن رايه: كان ضعيفا قدريا.
ج ـ عن قيمة رواياته:
رووا عـن شعبة انه قال: لان اقطع الطريق احب الي من ان اروي عنه, وقال: لان ازني احب الي من ان اروي عنه.
وقالوا في حديثه: منكر الحديث, متروك الحديث, لا يكتب حديثه وقال ابو حاتم: كان واعظا بكاء كثير الرواية عن انس بما فيه نظر, وفي حديثه ضعف.
وفـي تـهـذيب التهذيب: قال ابن حبان: كان من خيار عباد اللّه من البكائين بالليل, لكنه غفل عن حفظ الـحـديـث شـغـلا بالعبادة حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن انس عن النبي (ص), فلا تحل الرواية عنه الا على جهة التعجب.
وفاته:
توفي يزيد بن ابان قبل العشرين ومائة هجرية.

دراسة متون الروايات:

اولا ـ رواية وهب:

مـوجـز الـرواية: ان النبي داود (ع) خلا بنفسه يوما للعبادة واكب على التوراة يقرؤها, اذ اقبلت حـمـامة من ذهب فوقعت بين يديه, فاهوى اليها لياخذها فطارت غير بعيد عنه فما زال يتبعها حتى اشـرف عـلـى امراة جاره اوريا, وكانت عارية تغتسل, فاعجبه جمالها, فلما احست به جللت نفسها بـشـعـرهـا فازداد افتتانا بها, فدبر امر قتل زوجها الذي كان في الغزو ثم تزوجها, فتسور عليه الملكان وكان من امرهما ما تحدث عنه القرآن الكريم.
في هذه الرواية جاء مرة: قال وهب, واخرى: قال (في ما يزعم اهل الكتاب), وبذلك خرج من عهدة روايتها.
ولما رجعنا الى التوراة وجدنا في سفر صموئل الثاني خبر رؤية داود يتشبع زوجة جاره اوريا من سطح داره واعجابه بها وجلبه اياها الى داره, وانه ضاجعها فحملت منه سفاحا الى آخر القصة التي اوردنا مصورها في الملحق الثاني في آخر الكتاب.
ويـظـهـر من مقارنة رواية وهب هذه بما جاء في خبر داود في سفر صموئيل من التوراة انه اخذ بعض القصة من التوراة وبعضا آخر منها من كتب اسرائيلية اخرى كان قراها ـ كما كان يخبر عن قراءته اياها, وهذا النوع من الروايات سمى في علم دراية الحديث بـ (الروايات الاسرائيلية او الاسرائيليات).

ثانيا ـ رواية الحسن البصري:

انـ مـوجز رواية البصري هو موجز رواية وهب نفسه, غير ان البصري اضاف في اول القصة: ان داود كان قد جزا الدهر اربعة ايام, ولسنا ندري هل اضافه اليها من خياله وابتكاره او انه اخذه من راو آخر من رواة الاسرائيليات ؟.
وعلى اي حال, لم يذكر البصري سند روايته هذه, وانما ارسلها ارسالا, ولو انه حين رواها ذكر مـصـدرهـا وقـال انه رواها من وهب بن منبه او غيره من رواة الروايات الاسرائيلية, لهان الامر وتـمـكن الباحثون من العثور على مصدر الرواية وادركوا بسهولة انها من الروايات الاسرائيلية, وبـارسـاله الرواية غم امر الرواية على الباحثين, وبما انه امام الائمة في العقائد فقد كان لروايته اثر مضاعف على فهم العقائد الاسلامية.
وجـل رواة الـروايـات الاسـرائيـلية يفعلون ما فعله البصري ويرسلون ما يروونه من الروايات الاسرائيلية دون ذكر مصدر الرواية, ومن ثم يغم امر تلك الروايات على غير اهل دراية الحديث.

ثالثا ـ رواية يزيد الرقاشي:

ان يـزيـد بن ابان قال: انه سمعها من الصحابي انس الذي سمعها من رسول اللّه (ص), وبذلك كذب عـلـى انس وعلى رسول اللّه (ص), وهو الزاهد العابد, البكاء, وكم يكون اثر رواية يرويها امثال يـزيد من العباد في وعظهم وقصصهم الـرقاشي اسند ما سمعه من الحسن البصري الى الصحابي انس الى رسول اللّه (ص), وياتي بعدهم المفسرون امثال الطبري (ت: 310 هـ).
الـى الـسـيوطي (ت: 911 هـ) ويوردون تلك الاساطير في تفاسيرهم والامر لا يقتصر على من ذكرناهم هنا من رواة الروايات الاسرائيلية, بل يتعداهم الى غيرهم من صحابة وتابعين, كما ذكرنا بعضهم في الجزء الخامس والثاني عشر من قيام الائمة باحياء السنة مثل:
1 ـ الـصـحـابـي عبد اللّه بن عمرو بن العاص: الذي اصاب راحلتين من كتب اهل الكتاب في بعض الغزوات, وكان يروي عنهما دونما ذكر لمصدر رواياته.
2 ـ الـصحابي تميم الداري: الذي اسلم بعد ان كان راهب النصارى, وكان يقص في مسجد الرسول (ص) يوم الجمعة قبل خطبة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب, ويقص يومين في الاسبوع على عهد الخليفة عثمان.
3 ـ التابعي كعب الاخبار:
كان قد اسلم على عهد الخليفة عمر, واصبح من علماء المسلمين على عهد الخليفتين عمر وعثمان.
ثم من اخذ من هؤلاء والف تفسير القرآن مثل:
4 ـ مقاتل بن سليمان المروزي الازدي بالولاء (ت: 150 هـ).
كان مشهورا بتفسير كتاب اللّه وقال الشافعي:
(الـنـاس كـلـهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير, وعلى زهير بن ابي سلمى في الشعر, وعلى ابي حنيفة في الكلام):
كـم يـا تـرى دسـ مـقـاتـل مـن الاسـرائيـليات في رواياته التي اعتمدوها وكم اختلق مما روى واسند؟.
نتيجة الدراسة.
نقل وهب الرواية المفتراة على نبي اللّه داود (ع) من كتب اهل الكتاب وصرح بمصدرها, ورواها امـام الائمـة الحسن وارسلها دون الاشارة الى مصدرها, ودلس المحدث القاص الزاهد العابد البكاء يزيد بن ابان وقال: سمعها انس من رسول اللّه (ص).
ولا يـقتصر هذا النوع من التدليس واسناد الروايات الاسرائيلية الى الصحابة بهذا المورد وحده, والى هذا الصحابي وحده, فقد اكثروا في اسناد امثالها الى الصحابي ابن عم النبي (ص) عبد اللّه بن عـبـاس, ونـحـتـاج لدراستها الى بحوث مقارنة مبسوطة, وبمراجعة الصفحة الاخيرة من تفسير السيوطي (الدر المنثور) ينكشف لنا بعض الامر.
وهـكـذا نـجـد مـنـشا الخبر المفترى على داود (ص) قصص التوراة, وكذلك تسربت الاخبار الاسرائيلية الى تفسير القرآن, فكونت للمسلمين رؤية غير صحيحة عن سيرة الانبياء, وكان ذلكم خبر زواج داود (ع) بارملة اوريا وما افتروا عليه في ذلك, ومنشاه, والصحيح من خبره, وفي ما ياتي الصحيح من خبر زواجي زينب بنت جحش بزيد ثم برسول اللّه (ص):

خبر زواج الرسول بزينب بنت جحش في الرواية:

قال الخازن في تفسير آية: (وتخفي في نفسك):
(واصـحـ ما في هذا الباب ما روي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان, قال: سالني زين الـعـابـديـن عـلـي بن الحسين قال: ما يقول الحسن ـ اي البصري (ت: 110 هـ) ـ في قوله تعالى: (وتـخفي في نفسك ما اللّه مبديه وتخشى الناس واللّه احق ان تخشاه)؟ قلت, يقول: لما جاء زيد الى رسـول اللّه (ص) فـقـال: يـا رسول اللّه زوجـك واتـق اللّه فـقـال عـلـي بن الحسين: ليس كذلك, فان اللّه عز وجل اعلمه انها ستكون من ازواجـه, وان زيـدا سـيـطلقها, فلما جاء زيد قال: اني اريد ان اطلقها, قال له: امسك عليك زوجك فعاتبه اللّه تعالى وقال: لم قلت امسك عليك زوجك وقد اعلمتك انها ستكون من ازواجك ؟.
قال الخازن:
وهذا هو الاولى والاليق بحال الانبياء, وهو مطابق للتلاوة الخ.
وتفصيل خبر زواج زينب بزيد اولا ثم بالنبي (ص) في الايات والروايات كالاتي:

ا ـ الايات في خبر زواج الرسول (ص) بزينب بنت جحش:

قال اللّه سبحانه في سورة الاحزاب:
(ومـا كـان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص اللّه ورسـولـه فقد ضل ضلالا مبينا واذ تقول للذي انعم اللّه عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك واتـق اللّه وتـخـفي في نفسك ما اللّه مبديه وتخشى الناس واللّه احق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطـرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم اذا قضوا منهن وطرا وكان امـر اللّه مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض اللّه له سنة اللّه في الذين خلوا من قبل وكان امـر اللّه قـدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات اللّه ويخشونه ولايخشون احدا الا اللّه وكفى باللّه حـسـيبا ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين وكان اللّه بكل شي عليما) (الايات 36 ـ 40).

ب ـ تاويل الايات في روايات مدرسة الخلفاء:

روى الـطبري في تاويل الاية عن وهب بن منبه: ان النبي (ص) كان قد زوج زيد بن حارثة زينب بن جحش ابنة عمته, فخرج رسول اللّه (ص) يوما يريده, وعلى الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر فانكشف وهي في حجرتها حاسرة, فوقع اعجابها في قلب النبي (ص), فلما وقع ذلك كرهت الـى الاخر, فجاء ـ زيد ـ فقال: يا رسول اللّه (ص) اني اريد ان افارق صاحبتي, قال: مالك؟ ارابك منها شي ء؟ قال: لا واللّه ما رابني منها شي ء يا رسول اللّه ولا رايت الا خيرا الحديث.
ووردت ـ ايضا ـ رواية اخرى في هذا الصدد بالمضمون نفسه عن الحسن البصري سوف نوردها ضمن روايات اهل البيت في تاويل الايات ان شاء اللّه تعالى.

دراسة الروايتين:

ا ـ سندهما:
نـقـلـوا الـروايتين عن وهب بن منبه والحسن البصري, ونضيف الى ما اوردناه في ترجمتهما: ان كـلـيهما كانا قد ولدا بعد رسول اللّه (ص) باعوام, فكيف يرويان عما حدث في عصر رسول اللّه (ص) ويرسلانه ارسالا دونما ذكر مصدرهما؟ ب ـ متنهما:
مـحور الخبر ان الرسول (ص) اعجبه جمال زينب عندما رآها بغتة بلا حجاب, ورغب في طلاق زيد اياها واخفى ذلك في نفسه.
وبـيـان زيف ذلك: ان زينب كانت ابنة عمة النبي (ص), وقد نزل حكم الحجاب بعد زواج الرسول (ص) بـزيـنب, وكان قد رآها قبل ان يزوجها من زيد مرارا وتكرارا, وقد افترى على الرسول (ص) من قال ذلك, والصحيح في الخبر ما ننقله عن كتب السيرة في ما ياتي باذنه تعالى:

خبر زواج زينب بزيد اولا ثم بالنبي (ص) بعد طلاق زيد اياها:

كـان مـن خبر زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي انه اصابه سباء في الجاهلية وبيع في بعض اسواق الـعرب, فاشتري لخديجة, ثم وهبته خديجة للنبي (ص) قبل ان يبعث وهم ابن ثماني سنين, فنشا عـند النبي (ص), وبلغ الخبر اهله فقدم ابوه وعمه مكة لفدائه, فدخلا على النبي (ص) وقالا: يا ابـن عبد المطلب فـدائه ادعـوه وخـيـروه فان اختاركم فهو لكم, وان اختارني فواللّه ما انا بالذي اختار على من اختارني احـدا, قـالا: قد زدتنا على النصف واحسنت, فدعاه رسول اللّه (ص) فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نـعـم اريـدهـمـا وما انا بالذي اختار عليك احدا, انت مني مكان الاب والعم الـعـبـوديـة على الحرية وعلى ابيك واهل بيتك؟ قال: نعم, ورايت من هذا الرجل شيئا ما انا بالذي اختار عليه احدا ابدا, فلما راى رسول اللّه (ص) ذلك اخرجه الى الحجر ـ في بيت اللّه ـ فقال: يا مـن حـضـر وانصرفا.
ونـسب زيد بعد ذلك الى رسول اللّه (ص) وقيل له: زيد بن محمد (ص), وزوجه الرسول (ص) من امته وحاضنته برة السوداء الحبشية, وكانت قد تزوجت قبله من عبيد الحبشي, وولدت له ايمن فكنيت بـ (ام ايمن), فولدت في مكة اسامة من زيد.
كان ذلكم خبر تبني الرسول (ص) لزيد, ثم تزوج النبي (ص) زينب كالاتي خبره:

خبر زواج زيد من زينب ابنة عمة الرسول (ص):

بـعـد الـهـجرة الى المدينة خطب زينب ابنة اميمة ابنة عبد المطلب عدة من اصحاب النبي (ص), فـارسـلـت اخاها الى النبي (ص) تستشيره في امرها, فقال: فاين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ فسالت: من هو؟ فقال: زيد انـا خير منه حسبا, فانزل اللّه تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسـولـه امـرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (الاحزاب 36), فرضيت فزوجها الرسول (ص) من زيد بعد ام ايمن السوداء الحبشية, ولها اسامة بـن زيـد, فـكانت تعلو على زيد وتشتد وتاخذه بلسانها, فكان يشكوها الى الرسول (ص) ويحاول تـطـليقها, واقتضت مشيئة اللّه وحكمته ان يتزوجها الرسول (ص) بعد زيد ليلغى بذلك التبني بين الـمـسـلـمين, واشعره الوحي بذلك, فخشي الرسول (ص) ان يقول الناس تزوج حليلة ابنه, فكتم الـوحـي فـي نفسه وقال لزيد: اتق اللّه وامسك عليك زوجك, ولما ضاق زيد ذرعا بزوجته زينب طـلـقها وانقضت عدتها, فنزلت الايات على الرسول (ص) مرة واحدة تخبر عما وقع وتبين حكم المتبني في شريعة الاسلام:
(فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين) (الاحزاب 37 ـ 64).
وقال عز اسمه لسائر المؤمنين: (وما جعل ادعياءكم ابناءكم ذلكم قولكم بافواهكم واللّه يقول الحق وهـو يـهـدي السبيل ادعوهم لابائهم هو اقسط عند اللّه فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم) (الاحزاب 4 ـ 5).
اوردنـا فـي مـا سـبق مثالين من آيات اخطا العلماء في تاويلها بسبب ما ورد في روايات مفتراة على الانبياء, ونورد في ما ياتي امثلة من آيات اخطا البعض في تاويلها دونما استناد الى رواية:

 

5- آيات اخطاوا في تاويلها

ا ـ نسبة العصيان الى آدم (ع) في سورة طه حيث قال تعالى:
(وعصى آدم ربه فغوى) (الاية 121).
ب ـ فـي سـورة الانبياء: حيث قال ابراهيم عن تكسير الاصنام (بل فعله كبيرهم) في حين انه هو الذي كان قد كسرها, كما قال سبحانه:
(فـجـعـلهم جذاذا الا كبيرا لهم لعلهم اليه يرجعون قالوا من فعل هذا بلهتنا انه لمن الظالمين قالوا سـمـعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم قالوا فاتوا به على اعين الناس لعلهم يشهدون قالوا اانت فعلت هذا بلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسالوهم ان كانوا ينطقون فرجعوا الى انفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) (الايات 58 ـ 65).
ج ـ اخـبر اللّه سبحانه في سورة يوسف (ع) ان وزعته قالوا لاخوته (انكم لسارقون) في حين انهم لم يكونوا قد سرقوا صواع الملك, حيث قال تعالى:
(فـلـما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل اخيه ثم اذن مؤذن ايتها العير انكم لسارقون قالوا واقـبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جء به حمل بعير وانا به زعيم قالوا تاللّه لـقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه ان كنتم كاذبين قالوا جزاؤه مـن وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين فبدا باوعيتهم قبل وعاء اخيه ثم استخرجها مـن وعاء اخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان لياخذ اخاه في دين الملك الا ان يشاء اللّه نرفع درجات من نـشـاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل فاسرها يوسف في نفسه ولم يـبـدهـا لهم قال انتم شر مكانا واللّه اعلم بما تصفون قالوا يا ايها العزيز ان له ابا شيخا كبيرا فخذ احدنا مكانه انا نراك من المحسنين) (الايات 70 ـ 78).
د ـ اخـبر اللّه سبحانه في سورة الانبياء ان النبي ذا النون (ع) ظن ان اللّه لن يقدر عليه حيث قال تعالى:
(وذا الـنـون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (الايات 86 ـ 88).
هــ ـ اخـبـر اللّه تعالى في سورة الفتح انه سبحانه غفر بعد الفتح ما تقدم من ذنب خاتم الانبياء وما تاخر, وقال سبحانه وتعالى:
(انـا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تاخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك اللّه نصرا عزيزا) (الايات 1 ـ 3).
هذه الى آيات اخرى لم يفطنوا الى تاويلها, وسندرسها بعد تفسير الكلمات وبعض المصطلحات في ما ياتي باذنه تعالى:

تفسير بعض الكلمات والمصطلحات:

اولا ـ تعريف مصطلحات البحث:

ا ـ اوامر اللّه ونواهيه:
مـن اوامـر اللّه ونـواهـيـه مـا تظهر آثار مخالفتها في الحياة الدنيا فحسب ولا تتعداها الى الحياة الاخرة, مثل ما ورد في قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) (الاعراف 31).
والاسراف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان, مثل تجاوزه الحد في تناول الطيبات من الماكول والمشروب, ويرى الانسان اثر.
مـخالفته لهذا النوع من اوامر اللّه ونواهيه في الحياة الدنيا ولا يتعداها الى الاخرة, ويسميان امرا ارشاديا ونهيا ارشاديا.
ومـنـها ما يوجب فعل المامور به ويحرم تركه ويحرم فعل المنهي عنه, وهذان تمتد آثار مخالفتهما على الانسان الى يوم القيامة وتسبب له العذاب, ويسميان بالامر والنهي المولويين مثل:
ب ـ ترك الاولى:
فـي ما يصدر من الانسان من عمل ما يكون فعل خلافه وضده افضل, مثل الموردين الاتيين من افعال انبياء اللّه تعالى المذكورة في القرآن الكريم:
ج ـ المعصية:
عصى امره يعصيه عصيانا ومعصية: خرج من طاعته ولم ينفذ امره, فهو عاص وعصي.
ولفظ (الامر) قد ياتي في الكلام بعد ذكر مشتقات المعصية, مثل ما جاء:
ا ـ سوره الكهف في حكاية قول موسى لمن اراد ان يصحبه:
(سـتجدني ان شاء اللّه صابرا ولا اعصي لك امرا) (الاية 69) ب ـ في وصف الملائكة الموكلين بالنار في سورة التحريم:
(عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون) (الاية 6).
ولا يـاتي لفظ الامر في الكلام ـ غالبا ـ بوضوح المعنى مثل قوله تعالى في سورة طه: (فعصى آدم ربه) (الاية 121).
واحـيـانـا لا يذكر من عصى امره مثل قوله تعالى في ما جاء عن خبر فرعون في سورة النازعات: (فكذب وعصى) (الاية 2).
د ـ الذنب:
إن حقيقة الذنب هو تبعة كل عمل يصيب الانسان في المستقبل, وقد تخص هذه التبعة بعض الاعمال فـي الدنيا, وترد على الانسان ممن يقدرون على الاضرار بالانسان, كما جاء في حكاية قول موسى (ع) في مناجاة ربه في سورة الشعراء:
(واذ نـادى ربـك مـوسى ان ائت القوم الظالمين قوم فرعون الا يتقون قال رب اني اخاف ان يكذبون ويضيق صدري ولاينطلق.
لـسـاني فارسل الى هارون ولهم علي ذنب فاخاف ان يقتلون قال كلا فاذهبا بياتنا انا معكم مستمعون) (الايات 10 ـ 15).
فان فعل موسى كان قتله القبطي الذي جاء خبره في الايات من سورة القصص:
(ودخـل الـمدينة على حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي.
من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين قال رب اني ظلمت نـفسي فاغفر لي فغفر له انه هو الغفور الرحيم قال ربي بما انعمت علي فلن اكون ظهيرا للمجرمين فاصبح في المدينة خائفا يترقب فاذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى انك لغوي مبين فـلـما ان اراد ان يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ان تـريـد الا ان تكون جبارا في الارض وماتريد ان تكون من المصلحين وجاء رجل من اقصا المدينة يـسـعـى قـال يا موسى ان الملا ياتمرون بك ليقتلوك فاخرج اني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) (الايات 15 ـ 21).
وكان لفعله ـ قتله القبطي ـ تبعة في الدنيا وهي ائتمار قوم فرعون لقتله.
وتـبعة عصيان اوامر اللّه ونواهيه المولوية تصيب الانسان في الاخرة, واحيانا في الدنيا والاخرة وهي ذنوب العبد تجاه ربه جل اسمه.

ثانيا: شرح بعض الكلمات:

ا ـ ذا الايد:
آد, يئيد, ايدا: اشتد وقوي, وذا الايد: صاحب القوة.
ب ـ اواب:
اوب تاويبا: رجع فهو اواب, والاواب كالتواب: الراجع الى اللّه بترك معاصيه وفعل طاعاته.
ج ـ تشطط:
الشطط: الجور في الحكم وتجاوز القدر المحدود في كل شي ء.
د ـ اكفلنيها:
كفله كفلا وكفالة: عاله ورعاه, واكفلنيها: اعطني اياها لارعاها هـ ـ عزني في الخطاب:
عزه وعازه: غلبه, وعزني في الخطاب: غالبني في الكلام.
و ـ الخلطاء:
مفرده الخليط: الصديق والمجاور والشريك.
ز ـ ظن:
الظن ما يحصل عن امارة, وقد يبلغ الظن درجة اليقين مثل قوله تعالى: (وظن داود انما فتناه) اي ايقن انا فتناه, وقد لا يبلغه ويكون.
دونه الى حد التوهم, مثل قوله تعالى في خبر يونس (ع): (فظن ان لن نقدر عليه).
ح ـ فتناه:
الفتنه: الامتحان, ويكون المعنى: ايقن داود انا امتحناه.
ط ـ خر:
خر: سقط من علو, وخر راكعا اي هوى الى الركوع.
ي ـ اناب:
نـاب الـى الـشي ء نوبا ونوبة: رجع اليه مرة بعد اخرى, واناب العبد الى اللّه: رجع اليه بالتوبة من المعصية, وكذلك اعتمد عليه في ما ينزل به, وكان ابراهيم (ع) منيبا يرجع اليه في اموره كلها.
ك ـ فغفرنا وليغفر:
غـفره مغفرة وغفرا وغفرانا: ستره وغطاه فهو غافر وغفور, وللمبالغة غفار, وكل شي ء سترته فـقد غفرته, وسمي ما ينسج من الدروع على قدر الراس ويلبس تحت القلنسوة بالمغفر لانه يستر الـراس والرقبة, وغفر اللّه ذنوبه: اي سترها, ويكون ذلك بمحو آثار الذنوب في الدنيا وآثارها في الاخرة.
ل ـ لزلفى:
زلف اليه زلفا, وزلفى, وزلفة, وازدلف: دنا منه وتقرب, والزلفة: القرب.
م ـ مب:
آب يؤوب اوبا وايابا ومبا: رجع, والمب ـ ايضا: اسم زمان ومكان للاوب.
ن ـ خليفة:
سبق ان فسرنا لفظ الخليفة, وقلنا ما موجزه:
ليس معنى خليفة اللّه في القرآن نوع الانسان على الارض كما قيل, بل المراد: الامام المنصوب من قـبـل اللّه لـهداية الناس وليحكم بين الناس, كما يظهر ذلك في قوله تعالى لداود (ع): (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق).
س ـ الخيرة:
خار الشي ء على غيره خيرة وخيرة وخيرا: فضله على غيره.
ع ـ وطرا:
الوطر: حاجة للانسان له عناية بها واهتمام فاذا بلغها ونالها قيل: قضى وطره.
ف ـ ادعياؤهم:
الادعياء: مفرده الدعي: من ينسب الى قوم وليس منهم, واظهر مصاديقه: المتبنى.
ص ـ سنة اللّه:
النظام الذي قدره اللّه لخلقه و(سنة اللّه في الذين خلو) اي حكم اللّه وشريعته التي انزلها على من سبق خاتم الانبياء من الرسل.
ق ـ قدرا مقدورا:
قدر اللّه الامر يقدره: دبره او اراد وقوعه, وقدر اللّه الرزق يقدره جعله محدودا ضيقا.
ز ـ جذاذا:
جذ الشي ء جذا: قطعه, فالشي ء مجذوذ, وجذه كسره وفتته, والجذاذ المقطع او المكسر.
ش ـ فتى:
الـفتى: الشاب من كل شي ء, ويقال للعبد والامة تلطفا بهما, والفتى: الكامل من الرجال, والمراد به هنا الشاب من الرجال.
ت ـ نكسوا:
نكس راسه ونكس على راسه: طاطا راسه ذلا وانكسارا.
ض ـ السقاية:
السقاية: الاناء يسقى به وقد يكال به.
ظ ـ العير:
القوم معهم حملهم من الميرة, وقد يقال للرجال وللجمال معا, كما يقال لكل منهما وحده: العير.
غ ـ صواع:
المراد بالصواع هنا: صاع الملك وهو السقاية المذكورة قبله.
آ ـ زعيم:
زعم يزعم وزعامة: ضمن وكفل فهو زعيم.

ثالثا: تاويل الايات:

فـي بـيـان تـاويـل الايـات نبدا اولا ببيان تاويل بعض الموارد, حسب معناها اللغوي, وثانيا بايراد الروايات عن ائمة اهل البيت في ذلك.

تاويل الايات بحسب معنى الالفاظ في لغة العرب:

ا ـ خبر ابراهيم (ع) في كسر الاصنام:
فـي قوله (ع): (بل فعله كبيرهم هذا فاسالوهم ان كانوا ينطقون) (الانبياء 63) تورية, والمعنى فـي الـكلام: فعله كبيرهم ان كانوا ينطقون, ويعرف ذلك من قوله تعالى بعده: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) (الاية 65).
ب ـ خبر يوسف مع اخوته:
قصدوا من قولهم لاخوة يوسف (ايتها العير انكم لسارقون) انهم سرقوا يوسف (ع) من ابيه.
اما صواع الملك فقد قالوا عنه (نفقد صواع الملك), ولم يقولوا سرق صواع الملك وفي هذا الكلام ـ ايضا ـ تورية كما اتضح مما بيناه.
ج ـ خبر رسول اللّه بعد الفتح:
قال سبحانه في سورة الفتح:
(انـا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تاخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك اللّه نصرا عزيزا هو الذي انزل السكينة) (الايات 1 ـ 4).
تفسير الكلمات.
ا ـ فتحنا:
الـمـراد بـالـفـتح هنا: صلح الحديبية وقد سماه اللّه فتحا لما اعقب من كسر شوكة قريش, وعدم استطاعتهم مناواة الرسول (ص) وتجهيز.
الجيوش لمحاربته وفتح الرسول (ص) مكة بعد ذلك.
ب ـ ليغفر:
في اللغة غفر الشي ء: ستره.
ج ـ ذنبك:
قال الراغب: (الذنب في الاصل الاخذ بذنب الشي ء, يقال: اذنبته ـ اي ـ اصبت ذنبه, ويستعمل في كل فعل يستوخم عقباه), (ولهذا يسمى الذنب: تبعة اعتبارا بذنب الشي ء, وجمع الذنب: ذنوب.

تاويل الاية بحسب معناها اللغوي:

كان من خبر صلح الحديبية ما رواه الواقدي في المغازي وقال ما موجزه:
وثـب عمر الى رسول اللّه (ص), وقال: السنا بالمسلمين؟ قال (ص): بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول اللّه (ص): انا عبد اللّه ورسوله ولن اخالف امره ولن يضيعني وجعل ـ عمر ـ يرد على رسول اللّه (ص) الكلام, وتكلم مع ابي بكر وابي عبيده في ذلك فردا عليه, وكان يقول بـعـد ذلـك: لـقـد دخـلـنـي يـومـئذ مـن الشك وراجعت النبي (ص) مراجعة ما راجعته مثلها قط الخبر.
ونزلت السورة تعلم بان الصلح فتح للرسول وللمسلمين, وان ما كان المشركون يعدونه ذنبا للرسول في ما تقدم من قيامه بمكة بتسفيه احلامهم وعيب آلهتهم, وفي ما تاخر من قتله اياهم في غزوة بدر وغـيـرهـا قـد سـتر اللّه جميعها بذلكم الصلح الذي انتج كل تلكم الفتوح, وان قوله تعالى في هذه الـسـورة: ما تقدم من ذنبك وما تاخر, كقوله تعالى في حكاية قول الكليم موسى بن عمران (ع) في سورة الشعراء:
(ولهم علي ذنب فاخاف ان يقتلون) (الاية 14).
وبناء على ما ذكرناه يكون ذنب الرسول في مقابل قومه كذنب موسى (ع) في مقابل الاقباط بمصر.
نكتفي بهذا المقدار من بيان تاويل الايات بحسب معناها اللغوي, ونورد في ما ياتي بحوله تعالى تاويل الايات من الرويات:

تاويل الايات في روايات ائمة اهل البيت (ع):

روى الـصدوق ان الخليفة العباسي المامون جمع للامام علي بن موسى الرضا (ع) اهل المقالات من اهـل الاسـلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين, وكان فيهم علي بن الجهم من اهل المقالات الاسلاميين, فسال الرضا (ع) وقال له: يا ابن رسول اللّه بـلى, قال: فما تعمل في قول اللّه عز وجل: (وعصى آدم ربه فغوى)؟ وقوله عز وجل: (وذا النون اذ ذهـب مـغاضبا فظن ان لن نقدر عليه)؟ وقوله في يوسف: (ولقد همت به وهم بها)؟ وقوله عز وجـلـ فـي داود: (وظن داود انما فتناه)؟ وقوله في نبيه محمد (ص): (وتخفي في نفسك ما اللّه مبديه وتخشى الناس واللّه احق ان تخشاه)؟.
فـقال مولانا الرضا (ع): ويحك يا علي اللّه بـرايـك, فان اللّه عز وجل يقول: (وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون في العلم) اما قوله عز وجل في آدم (ع): (وعصى آدم ربه فغوى) فان اللّه عز وجل خلق آدم حجة في ارضه, وخليفته في بلاده, لم يخلقه للجنة, وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الارض لتتم مقادير امر اللّه عز وجل, فلما اهبط الى الارض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل: (ان اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين).
وامـا قـوله عز وجل: (وذ النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه) انما ظن ان اللّه عز وجل لا يـضـيق عليه رزقه, الا تسمع قول اللّه عز وجل: (واما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه)؟ اي ضيق عليه, ولو ظن ان اللّه لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وامـا قوله عز وجل في يوسف: (ولقد همت به وهم بها) فانها همت بالمعصية, وهم يوسف بقتلها ان اجبرته لعظم ما داخله, فصرف اللّه عنه قتلها والفاحشة, وهو قوله: (كذلك لنصرف عنه السوء), يعني القتل (والفحشاء), يعني الزنا.
وامـا داود فـما يقول من قبلكم فيه؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: ان داود كان في محرابه يصلي اذ تصور له ابليس على صورة طير احسن ما يكون من الطيور, فقطع صلاته وقام لياخذ الطير فخرج الـى الدار, فخرج في اثره فطار الطير الى السطح, فصعد في طلبه فسقط الطير في دار اوريا بن حـنـان, فاطلع داود في اثر الطير فاذا بامراة اوريا تغتسل, فلما نظر اليها هواها, وكان اوريا قد اخـرجـه فـي بـعـض غـزواتـه, فـكتب الى صاحبه ان قدم اوريا امام الحرب, فقدم فظفر اوريا بـالـمشركين, فصعب ذلك على داود, فكتب الثانية ان قدمه امام التابوت, فقتل اوريا, وتزوج داود بامراته, فضرب الرضا (ع) بيده على جبهته وقال: انا للّه وانا اليه راجعون, لقد نسبتم نبيا من انبياء اللّه الـى التهاون بصلاته حتى خرج في اثر الطير, ثم بالفاحشة, ثم بالقتل فما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك ان داود انما ظن ان ما خلق اللّه عز وجل خلقا هو اعلم منه, فبعث اللّه عـز وجـل الـيه الملكين فتسورا المحراب فقالا: (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكـفلنيها وعزني في الخطاب) فعجل داود (ع) على المدعى عليه فقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه) فلم يسال المدعي البينة على ذلك, ولم يقبل على المدعى عليه فيقول: ما تقول؟ فكان هذا خـطـيئة حكمه, لا ماذهبتم اليه, الا تسمع قول اللّه عز وجل يقول: (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) الى آخر الاية, فقلت: يا ابن رسول اللّه فما قصته مع اوريا؟ فقال الرضا (ع): ان المراة في ايام داود كانت اذا مات بعلها او قتل لا تتزوج بعده ابدا, واول من اباح اللّه عز وجل له ان يتزوج بامراة قتل بعلها, داود, فذلك الذي شق على اوريا الحديث.
وفي خبر داود خاصة عن امير المؤمنين الامام علي (ع) انه قال:
مـا اوتـي بـرجـل يـزعـم انـ داود (ع) تـزوج بـامراة اوريا الا جلدته حدين حدا للنبوة وحدا للاسلام.
والمعنى: (من قال ان داود تزوج بامراة اوريا) اي قبل استشهاده في رواية: (من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين) وفي رواية: وهو حد الفرية على الانبياء.
وروى الصدوق ـ ايضا ـ عن الامام الصادق (ع) مثل الرواية الاولى, وفي رواية قال: ان المراة في ايـام داود (ع) كـانـت اذا مات بعلها او قتل لا تتزوج بعده ابدا, واول من اباح اللّه عز وجل له ان يتزوج بامراة قتل بعلها داود (ع), فتزوج بامراة اوريا لما قتل وانقضت عدتها, فذلك الذي شق على الناس من قتل اوريا.
ولو قيل ان ما اوردتموه معارض بما رواه القمي في تفسيره انه قال ما موجزه:
ان داود (ع) كـان فـي محرابه يصلي فاذا بطائر قد وقع بين يديه, فاعجبه جدا ونسي ما كان فيه فـقـام لياخذه, فطار الطائر فوقع على حائط بين داود واوريا ـ كان داود قد بعثه في بعث ـ فصعد داود الـحـائط لـياخذه, فراى امراة جالسة تغتسل, فلما رات ظله نشرت شعرها وغطت به بدنها, فـافـتـتن بها داود ورجع الى محرابه, وكتب الى صاحبه في ذلك البعث ان يسيروا الى موضع كيت وكـيـت ويـوضـع الـتابوت بينهم وبين عدوهم ويقدم اوريا بين يدي التابوت, فقدمه فقتل الحديث بطوله.
قـلـنـا: ان هـذه الرواية قد جمع فيها راويها الروايات المتعددة الواردة في تفسير الايات بتفاسير مـدرسـة الخلفاء, واضاف اليها من خياله بعض القول, ثم رواها عن الامام الصادق (ع) ونحن ندرس متن الرواية دون التعرض لسندها ونقول:
اولا ـ قال: في الحديثين المتعارضين: ذروا ما وافق اخبار العامة.
ثـانيا ـ ورد بخصوص خبر اوريا المذكور عن الامام جعفر الصادق (ع) انه عندما سئل عنه وقال له الراوي:
ما تقول في ما يقول الناس في داود وامراة اوريا؟.
فقال: ذلك شي ء تقوله العامة.
فـي هذا الحديث صرح الامام الصادق (ع) بان منشا قول الناس في داود وارملة اوريا هم العامة اي اتـباع مدرسة الخلفاء اذا سـمـينا هذا النوع من الروايات بالروايات المنتقلة, اي المنتقلة من مدرسة الخلفاء الى مدرسة اهل البيت.
واذا بـحـثـنا عن مصدر هذه الرواية بكتب التاريخ والتفسير بمدرسة الخلفاء وجدنا ان رواة هـذه الـرواية لم يرووها عن رسول اللّه (ص) ولم يقولوا ان رسول اللّه (ص) قال ذلك, ما عـدا رواية واحدة رواها السيوطي في تفسير الاية عن يزيد الرقاشي عن انس, وقد بينا في هذا البحث زيفها في ما سبق.
فـي قـصـة زيد وزينب: كسر الرسول (ص) بتزويجة زينب من زيد قانون التكافؤ في النسب من اعراف الجاهلية واستبدله بقانون التكافؤ في الاسلام, وبعد هذا الانجاز العظيم امره اللّه تعالى ان يكسر ـ بزواجه من مطلقة زيد ـ قانون التبني من اعراف الجاهلية, وفي عمله هذا شابه عمل النبي داود (ع) في زواجه بارملة اوريا وتبديله بذلك قانونا جاهليا بقانون اسلامي, وكذلك يفعل الانبياء فـي اجـراء الاحكام الاسلامية, وهكذا فعل الرسول (ص) ـ ايضا ـ في ابطاله قانون الربا وقانون اخذ الثار الجاهليين في حجة الوداع بابطال ربا عمه العباس واهدار دم ابن عمه.
هذه هي الحقيقة في امر زواج النبي داود (ع) بارملة اوريا وزواج خاتم الانبياء (ص) بمطلقة ابنه الـمـتبنى زيد, غير ان انتشار الروايات الاسرائيلية في تاويل قصص الانبياء السابقين, والرويات الـمـختلقة في تاويل ما عداها في بعض كتب التفسير وبعض مصادر الدراسات الاسلامية الاخرى حجبت رؤية الحق عن الباحثين, وجعلت من الباطل حقا ومن الحق باطلا, واشتهرت تلك الروايات وراجـت في الاوساط الاسلامية لما كان فيها من تبرير لتورط بعض افراد السلطات الحاكمة في قضايا شهوة الجنس, كما ان صدور المعاصي من امثال يزيد ابن معاوية واشباهه من خلفاء بني مروان بـعـده ونـظـرائهم هو الداعي لعامة ما نسب الى الانبياء والرسل (ص) من المعاصي ونفي العصمة عنهم, وتاويلهم الايات في حقهم بما يدفع النقد عن بعض الخلفاء.
بـعـد الانتهاء من ذكر صفات المبلغين عن اللّه ينبغي ان ندرس في البحث الاتي كيفية المعارك التي خاضوها مع طواغيت عصورهم ومع المترفين من امتهم في كل عصر.