عقائد الشيعة الإمامية >> العلامة العسكري
العقـائــد الإسـلاميــة في القــرآن الكريــم
(5)
الديـن والإسـلام
1ـ معنى الدين.
2ـ الاسلام والمسلم.
3ـ المؤمن والمنافق.
4ـ الاسلام
اسم لجميع الشرايع.
5ـ تحريف الشرايع واسمائها.
6ـ تناسب
احكام الاسلام مع فطرة الانسان.
7ـ الانسان والنفس الامارة بالسوء.
8ـ
مشاركة الجن للانس في شريعة الاسلام.
استعمل لفظ الدين في الشرع الاسلامي في معنيين:
1 ـ
الجزاء:
وان يوم الدين في القرآن الكريم هو يوم الجزاء, مثل قوله تعالى في سورة
الفاتحة:
(مالك يوم الدين) (الاية 4).
2 ـ الـشـريعة, متضمنا معنى الطاعة
والانقياد, واكثر ما استعمل الدين في الشرع الاسلامي, كان بهذا المعنى, مثل قوله
تعالى في حكاية يوسف واخيه في سورة يوسف:
(ما كان لياخذ اخاه في دين الملك)
(الاية 76).
اي: في طاعة الملك وشريعته.
وقوله تعالى في سورة البقرة:
(ان اللّه اصطفى لكم الدين) (الاية 132).
اي: الشريعة والطاعة, والانقياد للّه.
الاسلام: هو الانقياد للّه, ولما انزل من
الشرائع والاحكام.
قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة آل عمران:
(ان الدين عند اللّه
الاسلام) (الاية 19).
والمسلم: هو المنقاد للّه ولما انزل من الشرائع.
وبـنـاء عـلـى هـذا فان الاسلام في عصر آدم: هو الانقياد للّه ولما انزل على آدم من
شريعة اللّه, والـمـسـلم من انقاد للّه ولما انزل على آدم من الشرائع, ويتضمن هذا
الانقياد الاطاعة لادم الذي اصطفاه اللّه لحمل شريعته في عصره.
وفـي عصر نوح هو
الانقياد للّه ولما نزل على نوح من الشرائع, وطاعة نوح باعتباره نبيا مرسلا من قبل
اللّه, والايمان بصدق نبوة آدم من قبله, والمسلم من آمن بذلك.
وفـي عصر ابراهيم
(ع): الانقياد للّه ولما نزل على نوح, واطاعة ابراهيم (ع) المرسل من قبل اللّه,
والايمان بمن سبقه من الانبياء والرسل حتى آدم.
وفي عصر موسى (ع) وعيسى (ع)
كذلك.
وفي عصر خاتم الانبياء (ص) كذلك.
وقد عين اللّه في عصر خاتم الانبياء
له حدا, وهو القول باللسان:
(اشهد ان لا اله الا
اللّه, واشهد ان محمدا رسول اللّه).
ويسمى هذا الحد بالشهادتين.
ويـلـزم
هـذا الاقرار باللسان, عدم انكار اي ضروري من عقائد الاسلام واحكامه, وعدم انكار
نبوة الانـبـيـاء الـسابقين المذكورين في القرآن الكريم, اي ان لا ينكر ما اجمع
عليه المسلمون انه من الاسـلام, مثل وجوب الصلاة والصوم والحج, وحرمة شرب الخمر
واخذ الربا ونكاح المحرمات وامثالها مما يعرف حكمه جميع المسلمين.
ومن ثم قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة
الحجرات:
(قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في
قلوبكم) (الاية 14).
الـمـؤمـن مـن نطق بالشهادتين بلسانه وآمن بقلبه بعقائد
الاسلام وعمل باحكامه, وان صدرت منه مخالفة لاحكام الاسلام علم انها معصية وعليه ان
يتوب الى اللّه ويستغفره.
ويـظهر الفرق بين المؤمن والمسلم يوم القيامة, اما في
الدنيا فكلاهما تجري عليهما احكام الاسلام والمسلمين.
النفاق والمنافق
ا ـ في اللغة:
نافق اليربوع: اذا ضرب براسه النافقاء
من جحره ومرق منه, وذلك لان لجحر اليربوع بابا ظاهرا يسمى (القاصعاء) ومخرجا خفيا
يسمى النافقا قد رقق التراب من جانبه دون ان يظهر ذلك من سطح الارض, فـاذا هوجم من
بابه القاصعاء ضرب براسه النافقاء ومرق منه وهرب, وعندئذ يقال: (نافق اليربوع).
ب ـ في المصطلح الاسلامي:
نافق الرجل نفاقا: اظهر الاسلام وعمل بعمله
وابطن الكفر, فهو منافق.
قال اللّه سبحانه في سورة المنافقون:
(اذا جاءك
الـمـنافقون قالوا نشهد انك لرسول اللّه واللّه يعلم انك لرسوله واللّه يشهد ان
المنافقين لكاذبون اتخذوا ايمانهم جنة) (الايتان 1 ـ 2).
اي اتـخذوا ما يحلفون
به سترا سميكا اذا فهم يسترون نفاقهم بستر سميك من اليمين الكاذبة واللّه يكشف
للرسول (ص) زيف قولهم.
وقال سبحانه في سورة النساء:
(ان المنافقين يخادعون
اللّه وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس) (الاية
142).
جاء في القرآن الكريم ذكر الاسلام والمسلمين في
شان الامم السابقة كالاتي:
اخبر اللّه سبحانه وتعالى في سورة يونس عن نوح (ع)
انه قال لقومه:
(فان توليتم فما سالتكم من اجر ان اجري الا على اللّه وامرت ان
اكون من المسلمين) (الاية 72).
واخبر سبحانه وتعالى عن ابراهيم (ع) وقال في
سورة آل عمران:
(ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما
كان من المشركين) (الاية 67).
وقال عز اسمه في سورة البقرة:
(ووصـى بـهـا
ابـراهيم بنيه ويعقوب يابني ان اللّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون)
(الاية 132).
وقال في سورة الحج:
(وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم
ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) (الاية 78).
واخبر سبحانه في سورة الذاريات
عن قرية قوم لوط (ع), وقال:
(فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها
غير بيت من المسلمين) (الايتان 35 ـ 36).
واخبر اللّه سبحانه وتعالى عن موسى (ع) في سورة يونس انه قال لقومه:
(يا قوم ان كنتم آمنتم باللّه فعليه توكلوا ان
كنتم مسلمين) (الاية 84).
واخبر في سورة الاعراف عن سحرة فرعون قولهم:
(ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) (الاية 126).
واخبر في سورة يونس عن فرعون وقال عز اسمه:
(حتى اذا ادركه الغرق قال آمنت انه لا اله الا الذي آمنت
به بنو اسرائيل وانا من المسلمين) (الاية 90).
واخبر في سورة النمل عن سليمان
(ع) انه كتب لملكة سبا:
(انه من سليمان وانه بسم اللّه الرحمن الرحيم الا تعلوا
علي واتوني مسلمين) (الايتان 30 ـ 31).
وانه (ع) قال في السورة نفسها:
(يا
ايها الملاء ايكم ياتيني بعرشها قبل ان ياتوني مسلمين) (الاية 38).
وقال سبحانه
وتعالى عن شان حواريي عيسى (ع) في سورة المائدة:
(واذ اوحيت الى الحواريين ان
آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بانا مسلمون) (الاية 111).
وقال عز اسمه في
سورة آل عمران:
(فـلـمـا احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى اللّه قال
الحواريون نحن انصار اللّه آمنا باللّه واشهد بانا مسلمون)
(الاية 52).
ولـم
يـقتصر مجي ء هذا المصطلح بالنسبة الى الامم على ما جاء في القرآن الكريم, بل جاء
مع ذكر خبرهم في مصادر الدراسات الاسلامية مثل ما رواه ابن سعد بسنده الى ابن عباس
انه قال بعد ذكر خروج نوح من السفينة:
(وما بين نوح الى آدم من الاباء كانوا
على الاسلام).
وقال في رواية بعدها:
(كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على
الاسلام).
ونقل في تتمة رواية ابن عباس انه قال فيمن خرجوا من السفينة وسكنوا
قرية:
(فكثروا بها حتى بلغوا مائة الف كلهم على الاسلام).
5- تحريف الشرايع السابقة وتحريف اسمائها
ان تسمية بعض الاديان بغير اسم الاسلام مثل اليهودية والنصرانية تحريف لاسم الدين, كفعلهم في تحريف الشريعة الربوبية, وبيان ذلك:
ان الـيهود, نسبة الى بلدة يهودا التي كانت في جبل صهيون في الجنوب الغربي من اورشليم, والتي اتخذها داود عاصمة لملكه وبنى فيها محلا للتابوت الذي كان فيه التوراة وسائر مواريث انبياء بني اسرائيل ودفن فيها ملوكهم.
الـنـصراني نسبة الى بلدة الناصرة في الجليل من فلسطين
الذي عاش فيه عيسى ابن مريم (ع) في صـغـره, واشـتـهـر (ع) فـي عـصـره بـعيسى
الناصري, واشتهر تلاميذه ـ ايضا ـ بسبب ذلك بالناصري.
والـمـسيحية ـ ايضا ـ نسبة
الى المسيح عيسى ابن مريم, ولقب اتباع المسيح بالمسيحيين منذ سنة (41) ميلادية,
وكانوا يقصدون به ذمهم.
لـما كانت معرفة الالوهية والربوبية اساسا لمعرفة العقائد والاحكام في الدين فاننا نقتصر في بيان كـيفية تحريف اليهود والنصارى شريعتي موسى وعيسى, على بيان تحريفهما عقيدة الاولوهية والربوبية في دينيهما:
نذكر في ما ياتي ملخصا من الاصحاح الثاني وتمام الاصحاح الثالث من سفر التكوين من التوراة:
(غـرس الـربـ الالـه جنة في عدن واجرى منها اربعة انهار, منها الفرات وجيحون, وغرس فيها الاشـجار, وغرس في وسط الجنة شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر, واسكن فيها آدم, واوصـى الـرب الاله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تاكل اكلا, واما شجرة معرفة الخير والشر فلا تاكل منها, لانك يوم تاكل منها تموت موتا, واوقع سباتا على آدم واخذ واحدة من اضلاعه وخلق من الضلع حواء زوجة لادم, وكانا كلاهما عريانين آدم وامراته وهما لا يخجلان).
وكـانت الحية احيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب
الاله فقالت للمراة احقا قال اللّه لا تاكلا مـن كـل شجر الجنة فقالت المراة للحية
من ثمر شجر الجنة ناكل واما ثمر الشجرة التي في وسط الـجنة فقال اللّه لا تاكلا منه
ولا تمساه لئلا تموتا فقالت الحية للمراة لن تموتا بل اللّه عالم انه يوم تـاكـلان
مـنـه تنفتح اعينكما وتكونان كاللّه عارفين الخير والشر فرأت المراة ان الشجرة جيدة
لـلاكـل وانها بهجة للعيون وان الشجرة شهية للنظر فاخذت من ثمرها واكلت واعطت رجلها
ايضا معها فاكل فانفتحت اعينهما وعلما انهما عريانان فخاطا اوراق تين وصنعا
لانفسهما مزر.
وسـمـعـا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار
فاختبا آدم وامراته من وجه الرب الالـه فـي وسـط شـجر الجنة فنادى الرب الاله آدم
وقال له اين انت فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبات تاكل منها هذا
الذي فعلت.
فـقالت المراة الحية غرتني فاكلت فقال الرب الاله للحية لانك فعلت
هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومـن جـميع وحوش البرية على بطنك تسعين وترابا
تاكلين كل ايام حياتك واضع عداوة بينك وبين الـمـراة وبـين نسلك ونسلها هو يسحق
راسك وانت تسحقين عقبه وقال للمراة تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا
والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك وقال لادم لانك سمعت لقول امـراتك واكلت من
الشجرة التي اوصيتك قائلا لا تاكل منها ملعونة الارض بسببك بالتعب تاكل منها كـل
ايام حياتك وشوكا وحسكا تنبت لك وتاكل عشب الحقل بعرق وجهك تاكل خبزا حتى تعود الى
الارض التي اخذت منها لانك تراب والى تراب تعود.
ودعا آدم اسم امراته حواء لانها
ام كل حي وصنع الرب الاله لادم وامراته اقمصة من جلد والبسهما.
وقال الرب الاله
هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر والان لعله يمد يده وياخذ من شجرة
الحيوة ايضا وياكل ويحيا الى الابد فاخرجه الرب الاله من جنة عدن ليعمل الارض التي
اخذ مـنـهـا فـطـرد الانسان واقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة
طريق شجرة الحيوة.
اذن فـان الـرب الاله قد كذب على مخلوقه آدم حين قال له:
تموت موتا ان اكلت من شجرة معرفة الـخير والشر, وان الحية اعلمت حواء حقيقة الامر
وكذب الرب الاله, فاكلا من الشجرة فتفتحت اعـيـنهما وادركا انهما عريانان, واختبئا
لما سمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة ولم يعرف الرب مكانهما ونادى الرب الاله
آدم عرف انه عريان وهل اكل من الشجرة, فاخبره آدم بحقيقة الامر فغضب الرب الاله على
آدم وحواء والحية واعادهم الى الارض وعاقبهم على فعلهم, ولما راى الرب الاله ان هذا
المخلوق اصبح عارفا الـخير والشر مثله وخشي ان يمد يده الى شجرة الحياة وياكل منها
فيحيا الى الابد طرده من جنة عدن, واقام في طريق شجرة الحياة حرسا من الكروبين لئلا
يقربها الانسان.
مـا اضـعف الرب الاله هذا ـ تعالى اللّه عما يصفون ـ حين يخشى
مخلوقه ان يصبح مثله, ويتخذ كل الاجراءات لمنعه من الرقي الى درجته.
وما اكذبه واحيله حين احتال على مخلوقه وكذب عليه بما بان كذبه فيما
بعد.
وما اظلمه حين عاقب الحية على صدق قولها لحواء.
ولـم اعـرف مـاذا يـقصد
بـ (هو ذا الانسان صار كواحد منا), هل يقصد ان هناك غير الرب الاله الواحد آلهة
واربابا آخرين حين ورد لفظ (منا) بصيغة الجمع؟.
واخـيـرا مـا هو اثر هذه
المعرفة على من اعتقد بصحة التوراة حين يقرا فيها ان الاله الرب يكذب ويـحتال ويمنع
الانسان من الوصول الى درجة الكمال لخوفه من هذا الانسان؟ عما يقوله الظالمون علوا
كبيرا.
كـان مـاذكـرنـاه مـشتركا بين اليهود والنصارى,
واختص النصارى بتحريف في عقيدة الالوهية والربوبية كالاتي بيانه:
التثليث عند
النصارى:
قـالـت الـنـصارى: المسيح ابن اللّه, واللّه ابوه, وهما مع روح القدس
شي ء واحد وهو اللّه, فاللّه الواحد ثلاثة: الاب, والابن, وروح القدس, والثلاثة
(اللّه وعيسى وروح القدس) واحد وهو اللّه ان الثلاثة واحد, وان الواحد ثلاثة.
وقال اللّه سبحانه وتعالى في سورة المائدة:
(لـقـد كـفر الذين قالوا ان
اللّه هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا اللّه ربي وربـكـم انه
من يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة وماواه النار وما للظالمين من انصار لقد
كفر الذين قالوا ان اللّه ثالث ثلاثة وما من اله الا اله واحد ما المسيح ابن مريم
الا رسول قد خلت من قبله الـرسـل وامه صديقة كانا ياكلان الطعام انظر كيف نبين لهم
الايات ثم انظر انى يؤفكون) (الايات 72 ـ 75).
وقال عز اسمه في سورة
النساء:
(يـا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّه الا الحق انما
المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وكـلـمته القاها الى مريم وروح منه فمنوا باللّه
ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم انما اللّه اله واحد سبحانه ان يكون له ولد
له ما في السموات وما في الارض وكفى باللّه وكيلا) (الاية 171).
وصدق اللّه وكذب
المحرفون وتعالى اللّه عما يقوله الظالمون.
واذا كـان الامر كما بيناه ـ وهو
كما بيناه ـ بان الدين عند اللّه هو الاسلام, وان تسمية الدين بغير الاسلام تحريف, وان اليهودية والمسيحية محرفتان اسما وشريعة, فما هو الاسلام الصحيح؟ وما هي
شريعة الاسلام؟.
الاسلام من القرآن الكريم:
قال سبحانه وتعالى
في سورة الروم:
(فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها
لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون) (الاية
30).
شرح الكلمات.
ا ـ حنيفا.
الحنف: الميل عن الضلال الى الاستقامة,
والجنف: الميل عن الاستقامة الى الضلال, والحنيف: المائل عن الضلال الى الحق.
والحنيف: المخلص الذي اسلم لامر اللّه فلم يلتو في شي ء من دينه.
ب ـ
فطر:
فطر الامر: اخترعه, وفطر اللّه العالم: اوجده ابتداء.
وعلى هذا يكون
معنى الاية: ان اللّه بعد ان ذكر قبل هذه الاية انواعا من ضلال الضالين عن طريق
الاسلام, واشار الى صالح الاعمال, فرع على ذلك وقال سبحانه وتعالى:
فاقم وجهك
للدين ـ والدين عند اللّه الاسلام ـ مائلا عن الضلالة الى الاعتدال الذي هو الحق,
وان اقـامـة الـوجه الى دين الاسلام هي مقتضى فطرة الانسان التي فطره اللّه عليها,
ولا تبديل لفطرة اللّه, ولـذلـك لا تبديل لدينه المتناسب مع فطرة الانسان, والاتساق
مع الفطرة هو الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون.
وشـان جميع ذوات
الارواح شان الانسان في ذلك, فان النحلة ـ مثلا ـ بفطرتها وهدايتها الغريزية الـتي
اوجدها اللّه في تكوينها تجرس من انوار الزهر ما هو صالح للتعسيل, واحيانا تخالف
فطرتها وهدايتها وتجرس مالا يصلح للتعسيل ويضر بصالح الخلية فيتقدم اليها حرس
الخلية ويقطعونها اربا.
والدجاجة بفطرتها والهداية الغريزية التي اوجدها اللّه
فيها تلتقط ما طاب من الحب والخضار, واذا خالفت الهداية الربوبية الغريزية لها
وتناولت الغائط النجس شرعا سميت: بالجلالة, وتتنجس, ولا يؤكل لحمها حتى تتناول الحب
الطيب ثلاثة ايام.
وحكم الرب بالنسبة الى جميع الخلق واحد يهديهم الى القيام
بالعمل النافع لهم والاجتناب عن العمل الضار لكيانهم, وبالنسبة الى الانسان قال
تعالى في سورة المائدة:
(يسالونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات) (الاية
4).
وقال تعالى في سورة الاعراف:
(الـذيـن يـتـبـعـون الرسول النبي الامي
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر
ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (الاية 157).
ومـلاك الامـر في الاحكام
الاسلامية: النفع والضرر للانسان, وانما حرم الخبائث لانها ضارة له, واحل الطيبات
لانها نافعة له.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة الرعد:
(فاما الزبد
فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) (الاية 17).
وقوله تعالى في
سورة الحج:
(واذن فـي الـنـاس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج
عميق ليشهدوا منافع لهم) (الايتان 27 ـ 28).
وقال قبله وفي السورة
نفسها:
(يدعو من دون اللّه ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو
لمن ضره اقرب من نفعه) (الايتان 12 ـ 13).
وحرم اللّه الرب ما فيه نفع للانسان
وضرر, ولكن ضرره اكبر, كما قال سبحانه في سورة البقرة:
(يـسـالونك عن الخمر
والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما) (الاية
219).
وتـتسع دائرة النفع والضرر وتتسع تبعا لها دائرة الحلال والحرام للمخلوق
باتساع ابعاد وجوده, والانـسـان اوسع الملخوقات في ابعاد وجوده, فكانت الحكمة تقتضي
مراعاة النفع والضرر له في ابعاد وجوده فان الانسان الذي له جسد تضر جسده اشياء
وتنفعه اشياء, ولذلك فقد احل اللّه للانسان ما ينفع جسده مثل اكل الطيبات, وحرم
عليه ما يضر جسده مثل اكل الخبائث.
وامثال هذه الاحكام للانسان بمفرده, سواء اعاش وحده في كهوف الجبال وادغال الغابات
ام عاش في المجتمعات الانسانية, ام عاش على كوكب آخر غير الارض.
وبما ان اللّه قد جعل كمال حياة الانسان في
الحياة الاجتماعية لذلك فقد احل اللّه للانسان ـ ايضا ـ ما ينفع المجتمع مثل
التجارة, وحرم عليه ما يضر المجتمع مثل الربا والقمار.
ولـما كانت له نفس ـ
وتهذيب النفس من ضرورات الحياة ـ فقد فرض عليه الحج لما فيه من تهذيب النفس ومشاهدة
منافع اخرى, وحرم عليه ما يضر المجتمع وارشده الى ما فيه نفع المجتمع.
وقال
تعالى في سورة الحجرات:
(انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم يا ايها الذين
آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خـيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن
خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان
ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض
الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا
فكرهتموه واتقوا اللّه ان اللّه تواب رحيم) (الاية 10 ـ 12).
وكـذلـك شـان
التشريع الاسلامي فانه متناسب مع فطرة الانسان في كل زمان ومكان لذلك نجد في
الـقـرآن الـكـريم ان اللّه تبارك وتعالى قد فرض الصلاة والصوم والزكاة على الامم
السابقة كما فـرضها علينا, وحكى سبحانه وتعالى في هذا الشان عن ابراهيم ولوط واسحاق
ويعقوب وقال في سورة الانبياء:
(وجـعـلـنـاهم ائمة يهدون بامرنا واوحينا اليهم
فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة) (الاية 73).
وحكى في سورة مريم عن
عيسى (ع) انه قال:
(واوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا) (الاية 31).
وقال
عن اسماعيل صادق الوعد في سورة مريم كذلك انه (ع):
(كان يامر اهله بالصلاة
والزكاة وكان عند ربه مرضيا) (الاية 55).
وامرنا اللّه تعالى بالصوم, فقال في
سورة البقرة:
(يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
قبلكم لعلكم تتقون) (الاية 183).
ونهانا عن الربا كما نهى الامم السابقة عنه,
واخبر عن بني اسرائيل في سورة النساء وقال:
(واخذهم الربا وقد نهوا عنه)
(الاية 161).
وكـتب علينا في القصاص ما كتبه على من كان قبلنا كما اخبر سبحانه
في سورة المائدة عن التوراة وقال:
(انـا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها
النبيون الذين اسلموا للذين هادوا وكتبنا عليهم فيها ان الـنـفس بالنفس والعين
بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) (الاية
45).
وعندما قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
(والوالدات يرضعن اولادهن
حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة) (الاية 233).
جـعل ذلك نظاما للانسان
الطفل منذ اول مولود ولد لادم وحواء, ولكل طفل يولد بعده على اي ارض كان, لا يختص
بشريعة دون اخرى, لان هذا النظام متناسب مع فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق اللّه, ولذلك لا تبديل لدين اللّه, ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا
يعلمون.
واذا كـان الامـر كذلك فلماذا يخالف الانسان احكام اللّه المتناسبة مع
فطرته؟ هذا ما سندرسه في البحث الاتي ان شاء اللّه تعالى.
عـرفنا مما سبق ان في غير صنف اصحاب الهداية
التسخيرية من ذوات الارواح من الخلق ما تخالف هداية الرب الغريزية لها مثل الدجاجة
التي تتناول غائط الانسان النجس بدل التقاط ما طاب من الحب والخضار فتستبرا
باطعامها ثلاثة ايام مما طاب وطهر من الطعام.
والـنـحل التي تجرس من نور الازهار
ما يضر عمل التعسيل في خلية النحل فتمزقها الحرس في مدخل الخلية حفظا لبقاء نوعها
وادامة لحياتهم.
وكـذلك شان البشر فان فيهم من يخالف النظام الملائم لفطرة
الانسان والذي هداه الرب اليه بواسطة الانـبـياء اتباعا لهوى نفسه وبيان ذلك ان
اللّه تعالى فضل الانسان على ذوات الارواح بمنحه النفس الانسانية التي لا يعرف
ابعاد وجودها غير خالقها, ومما امتازت به تلكم النفس, العقل الذي به يسخر الانسان
جميع ما يراه من الخلق من الذرة الى ما لا نعرف اليوم نهايته.
وقال سبحانه في
وصف النفس في سورة الشمس:
(ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها) (الايتان 7
ـ 8).
شرح الكلمات.
نفس:
جاءت النفس في اللغة العربية لعدة معان
منها:
ا ـ الروح التي بها الحياة, واذا زايلت الجسم نزل به الموت, ويقال:
خرجت نفس المحتضر.
ب ـ الشي ء ذاته وحقيقته ونفس الانسان والجن من هذا الباب.
ج ـ الشي ء عينه, ويقال في مقام التاكيد: جاءني محمد نفسه.
د ـ مـا تـقـع موقع القلب ويكون بها التمييز والادراك, والاحساس لما يحيط به,
وتفارقه في النوم وعندما يغيب وعيه, وهي التي توجهه الى افعال الخير والشر ويقال:
امرتني نفسي وسولت لي نفسي فعل السوء, وهذا المعنى هو المراد من النفس في الاية
الكريمة.
سواها:
اتم خلقها حتى بلغت درجة الكمال وتهيات لقبول الهداية.
فالهمها
فجورها وتقواها:
القى في النفس احساسا تفرق به بين الضلال والهدى ويعبر عن ذلك
في عصرنا بالضمير.
ومـن صفات هذه النفس وافعالها ما يشترك الانسان فيها مع صنف
الحيوان من الحب والرضا, والرغبة والـهـوى, والكره والبغض والنفور, مضافا اليها ما
ذكرناه من العقل الذي يميز به الخير من الشر, والخبيث من الطيب.
ويـثـاب الانسان
اذا اتبع ارشاد عقله وترك الشرور والخبائث, ويعاقب اذا خالف حكم العقل واتبع هوى
نفسه, كما قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة النازعات:
(واما من خاف
مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي الماوى) (الايتان 40 ـ 41).
وفي
سورة مريم وصف قوما وقال جل اسمه:
(اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات) (الاية
59).
وكـمـا ان في داخل النفس الانسانية قوتين متكافئتين من دوافع الخير ونوازع
الشر, فكذلك جعل اللّه للانسان من خارج نفسه فريقين:
فريقا يدعونه الى الهدى
وترك هوى النفس, وهم الانبياء واتباعهم.
وفريقا يدعونه الى الضلال ومتابعة هوى
النفس, وهم شياطين الجن والانس.
ولا سـلـطـان لايـ من الفريقين على الانسان,
وانما يزين للانسان كل فريق ما هو اهله من الضلال والهدى, كما اخبر سبحانه في سورة
الحجر عن الشيطان انه قال عندما طرده من الجنة:
(رب بما اغويتني لازينن لهم في
الارض) (الاية 39).
وفي سورة ابراهيم اخبر عن خطابه لمن تبعه يوم القيامة وقال
سبحانه:
(وقـال الشيطان لما قضي الامر ان اللّه وعدكم وعد الحق ووعدتكم
فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا
انفسكم) (الاية 22).
وكذلك شان الانبياء مع الناس كما قال سبحانه في خطابه
لخاتم انبيائه (ص) في سورة الغاشية:
(فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر)
(الايتان 21 ـ 22).
وقال سبحانه وتعالى في سورة البلد:
(وهديناه النجدين)
(الاية 10).
اي: طريقي الخير والشر.
وقال سبحانه في سورة الانسان:
(انا
هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا) (الاية 3).
وقال عز وجل في سورة البقرة:
(لا اكـراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه
فقد استمسك بالعروة الـوثـقى لا انفصام لها واللّه سميع عليم اللّه ولي الذين آمنوا
يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى
الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) (الايتان 256 ـ 257).
ومن ثم يكون
الانسان مسؤولا عن عمله كما قال سبحانه وتعالى في سورة الزلزلة:
(فمن يعمل
مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (الايتان 7 ـ 8).
كـان ذلكم ما
اخبر اللّه عن الانس ويشاركهم الجن في ذلك كما مر بنا الاشارة اليه في بحث اصناف
الخلق, وتفصيله كالاتي بيانه باذنه تعالى:
قال سبحانه:
ا ـ في سورة الاحقاف:
(واذ صـرفـنـا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما
قضي ولوا الى قـومـهم منذرين قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى
مصدقا لما بين يديه يهدي الى الحق والى طريق مستقيم ياقومنا اجيبوا داعي اللّه
وآمنوا به) (الايات 29 ـ 31).
ب ـ في سورة الجن:
(قـل اوحـي الـي انه استمع
نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فمنا به ولن نـشـرك
بـربـنا احدا وانه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وانه كان يقول سفيهنا على
اللّه شططا وانا ظننا ان لن تقول الانس والجن على اللّه كذبا وانه كان رجال من
الانس يعوذون برجال من الـجن فزادوهم رهقا وانهم ظنوا كما ظننتم ان لن يبعث اللّه
احدا وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حـرسـا شـديدا وشهبا وانا كنا نقعد منها
مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا وانا لا نـدري اشـر اريـد بـمـن في
الارض ام اراد بهم ربهم رشدا وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طـرائق قددا وانا
ظننا ان لن نعجز اللّه في الارض ولن نعجزه هربا وانا لما سمعنا الهدى آمنا به فـمـن
يـؤمـن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وانا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن اسلم
فاولئك تـحروا رشدا واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والو استقاموا على الطريقة
لاسقيناهم ماء غدقا) (الايات 1 ـ 16).
ج ـ في سورة الانعام:
(ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد
استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بـعـضنا ببعض وبلغنا اجلنا
الذي اجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها الا ما شاء اللّه ان ربك حكيم عـلـيـم
يا معشر الجن والانس الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم
هذا قـالـوا شـهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا
كافرين) (الايات 128 و130).
شرح الكلمات.
ا ـ جد:
الجد هنا:
العظمة والجلال.
م ـ غدقا:
غدق الماء غدقا: كثر, وهم في غدق من العيش: في
نعمة وخصب.
تفسير الايات:
وبـعـد بعثة خاتم الانبياء صرف اللّه نفرا من الجن
للاستماع الى تلاوة رسول اللّه (ص) القرآن, فـقـال بـعـضهم لبعض (انصتوا), فلما
انتهى الرسول (ص) من تلاوة القرآن انصرفوا الى قومهم ينذرونهم, وقالوا: (يا قومنا
انا سمعنا كتابا ـ اي القرآن ـ انزل بعد موسى مصدقا للكتب التي نزلت قبله يهدي الى
الحق, ويا قومنا اجيبوا داعي اللّه وآمنوا به فانا آمنا به ولن نشرك بربنا احدا,
وان ربنا تعالى عن ان يتخذ صاحبة او ولدا, وان رجالا من الانس ظنوا كما ظننتم ان لن
يبعث اللّه احدا, وان مـنـا ـ معاشر الجن ـ الصالحون ومنا دون ذلك, وكانت سيرتنا
مختلفة, وان منا المسلمين ومنا الظالمين الجائرين عن الحق, وان المؤمنين بربهم لا
يخافون بخسا في حقهم ولا جورا يغشاهم, اما الظالمون الجائرون عن الحق فانهم حطب
جهنم يعذبون فيها, وذلك اليوم هو اليوم الذي يحشر اللّه فيه الجن والانس جميعا,
وبعد اعتراف المذنبين منهم بذنوبهم يقول اللّه لهم: ان النار مثواكم خالدين فيها
الا ما شاء اللّه واقتضت مشيئته ان يرحمه من المذنبين.
في ذلك اليوم يقول اللّه
لهم: يا معشر الجن يومكم؟ فيشهدون على انفسهم بالكفر).
يـسـتـنـبـط مـن قول
الجن (انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى يا قوم اجيبوا داعي اللّه) ان الجن
يشاركون الانس في الهداية بكتب اصحاب الشرايع: اولوا العزم من الرسل ولعل هؤلاء
المنذرين هم المقصودون بقوله تعالى: (الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم وينذرونكم
لقاء يومكم).
في صحيح مسلم وغيره, واللفظ لمسلم عن ابن عباس
قال:
انـطـلـق النبي (ص) في طائفة من اصحابه عامدين الى سوق عكاظ, وقد حيل بين
الشياطين وبين خـبـر السماء وارسلت عليهم الشهب, فرجعت الشياطين الى قومهم فقالوا:
مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبـيـن خـبـر السماء وارسلت علينا الشهب فقالوا: ما حال
بينكم وبين خبر السماء الا شي ء حدث, فـاضربوا مشارق الارض ومغاربها فانظروا ما
الذي حال بينكم وبين خبر السماء, فانصرف اولئك الـذيـن ذهـبوا نحو تهامة الى النبي
(ص) وهو بنخلة عامدين الى سوق عكاظ وهو يصلي باصحابه صـلاة الفجر, فلما سمعوا
القرآن استمعوا له فقالوا: هذا واللّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء, فهنالك
رجعوا الى قومهم فقالوا: يا قومنا انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فمنا به,
ولن نشرك بـربـنـا احدا, فانزل اللّه على نبيه: (قل اوحي الي انه استمع نفر من
الجن), وانما اوحي اليه قول الجن.
وفي البحار عن تفسير علي بن ابراهيم القمي في
تفسير (ياقومنا انا سمعنا) من سورة الاحقاف قال:
وكان سبب نزول هذه الاية, ان رسول
اللّه (ص) خرج من مكة الى سوق عكاظ ومعه زيد بن حارثة, يدعو الناس الى الاسلام,
فلم يجبه احد ولم يجد من يقبله, ثم رجع الى مكة, فلما بلغ موضعا يقال له: وادي
مـجـنـة تـهجد بالقرآن في جوف الليل, فمر به نفر من الجن, فلما سمعوا قراءة رسول
اللّه استمعوا له, فلما سمعموا قراءته قال بعضهم لبعض: (انصتوا) يعني
اسكتوا.
(فلما قضى) اي فرغ رسول اللّه (ص) من القراءة (ولوا الى قومهم منذرين
قالوا ياقومنا انا سمعنا كـتـابـا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي الى
الحق والى طريق مستقيم, ياقومنا اجيبوا داعـي اللّه وآمـنـوا به) الى قوله: (اولئك
في ضلال مبين) فجاءوا الى رسول اللّه (ص) يطلبون شرايع الاسلام فاسلموا وآمنوا,
وعلمهم رسول اللّه (ص) شرائع الاسلام.
فانزل اللّه على نبيه: (قل
اوحي الي انه استمع نفر من الجن) السورة كلها, فحكى اللّه قولهم وولى رسول اللّه
(ص) عليهم منهم, الحديث.
نتيجة البحث.
ان الجن كالانس في وصول كتب اللّه
اليهم مثل التوراة والقرآن, وان في الجن ـ كما في الانس ـ من بلغ درجة المنذرين
لاقوامهم, وان هؤلاء المنذرين اخبروا قومهم عن القرآن انه مصدق لكتب اللّه
الـسـابقة ـ بكل ما في كلمة المصدق من معنى يدل على صدق القرآن ـ وان في الجن
مشركون باللّه الـرب كـمـا في الانس, ويفهم من سياق الايات ان الجن كانوا يعتقدون
ان للّه ولدا كما يعتقد بعض الانـس ان المسيح هو ابن اللّه وان افرادا من الجن
كرجال من الانس يظنون ان لن يبعث اللّه احدا, وليس بعد هذه الحياة حياة
وحشر.
وخـلاصـة القول: ان الجن كالانس فيهم المسلمون المؤمنون بربهم, وفيهم
الكافرون اما المؤمنون بـربـهـم وبـكل ما ذكرناه فانهم هم الفائزون يوم القيامة,
واما الكافرون فانهم سيعذبون بنار جهنم ويكونون لها حطبا.
وهكذا نجد ان الجن والانس يشتركان في العقائد ومنهما المشرك القائل بان للّه ولدا,
ومنهما اعداء الانبياء, ومنهما الموسوس لغيره لاغوائه, ومنهما المسلم المؤمن باللّه
ورسله وكتبه, وانهما جميعا يحشران ويحاسبان ويعذبان ان الصنفين يشتركان في كل ذلك,
اما كيفية عمل صنف الجن بالاحكام فلا بد ان يكون بالنسبة لهم بما يتناسب
وفطرتهم التي فطرهم اللّه عليها.
اذا فـالاسلام هو دين اللّه وشريعته للانس
والجن والذي بلغهما بواسطة الرسل اصحاب الشرايع ومن جاء بعدهم من اوصيائهم, كما
سنبينه في البحث الاتي بحوله تعالى.