عقائد الشيعة الإمامية / العلامة الأميني

 

-7-

السيد الحميري

المتوفى 173

 

1

يــــا بــــايــع الدين بــــدنــــياه * لــــيــــس بهـــــذا أمــــــــر الله

من أين أبغضت علي الوصي؟ *  وأحــــمد قــــد كــــان يرضـــاه

مــــن الــــذي أحــمد في بينهم * يــــوم " غـــدير الخم " ناداه ؟

أقــــامه مــــن بــــين أصحابه * وهــــم حــــواليــــه فــــسمـــاه

: هــــذا علـــــي بن أبي طالب * مــــولى لمــــن قــد كنت مولاه

فــــوال مــــن والاه يـا ذا العلا * وعــــاد مــــن قــــد كان عاداه

2

هلا وقفت على المكــان المعــشب * بـــين الطـــويلع فاللوى مــن كبكب

 ويقول فيها :

وبخــــم إذ قــــال الإلــــه بعــزمه : * قم يــــا محــــمد في البرية فاخطب

وانصــــب أبا حــــسن لقـــومك إنه * هــــاد وما بلغــــت إن لـــــم تنصب

فــــدعاه ثم دعــــاهم فــــأقـــامــــه * لهـم فبــــين مصــــدق ومــــكــــذب

جعــــل الــــولاية بعــــده لمهـــــذب * مــــا كــــان يجعــــلها لغــير مهذب

ولــــه مناقــــب لا تــــرام مـتى يرد * ساع تــــناول بعــــضها بــــتـــذبذب

إنــــا نــــدين بحــــب آل محــــمــــد * ديــــنا ومــــن يحــــبهم يستــــوجب

منــــا الــــمودة والـــولاء ومن يرد * بــــدلا بــــآل محــــمد لا يحــــبــــب

ومــــتى يــــمت يرد الجحيم ولا يرد * حـــوض الرسول وإن يرده يضرب

ضــــرب المحــــاذر أن تعــر ركابه * بالســــوط سالــــفة البعـير الأجرب

وكأن قــــلبي حــــين يــــذكر أحمدا * ووصي أحــــمد نيــط من ذي مخلب

 

 

/ صفحة 214 /

بــــذرى القــــوادم من جناح مصعد * في الجــــو أو بذرى جــناح مصوب

حتى يكــــاد مــــن النـــــزاع إليهما * يفـــري الحجاب عن الضلوع القلب

هبــــة ومــــا يهــــب الإلــــه لعـبده * يــــزدد ومهمــــا لا يهــــب لا يوهب

يمحــــو ويــــثبت مــــا يشاء وعنده * عــــلم الكــــتاب وعـــلم ما لم يكتب

هذه القصيدة ذات 112 بيتا تسمى بالمذهبة شرحها سيد الطائفة الشريف المرتضى علم الهدى وطبع بمصر 1313 وقال في شرح قوله :

وانصب أبا حسن لقومك إنه * هــاد وما بلغت إن لم تنصب

هذا اللفظ يعني (النصب) لا يليق إلا بالإمامة والخلافة دون المحبة والنصرة، وقوله : جعل الولاية بعده لمهذب .

 صريح في الإمامة لأن الإمامة هي التي جعلت له بعده والمحبة والنصرة حاصلتان في الحال وغير مختصين بعد الوفاة .

 وشرحها أيضا الحافظ النسابة الأشرف بن الأغر المعروف بتاج العلى الحسيني المتوفى 610 .

3

خف يا محمد فالـــق الإصبــــاح * وأزل فــــساد الـــدين بالإصــلاح

أتسب صنو محــــمد ووصيـــه ؟ * تــــرجو بــــذاك الفـــوز بالإنجاح

هيهات قد بعـــدا عــــليك وقــربا * منك العذاب وقــــابـــض الأرواح

أوصى النبي له بخـــير وصيــــة * يوم " الغــــدير " بأبين الإفصاح

: من كنت مولاه فهذا واعــلموا * مولاه قــول إشــــاعة وصــــراح

قاضي الديون ومرشـــد لكم كما * قد كنت أرشــــد مــن هدى وفلاح

أغويت أمي وهي جد ضعــــيفـة * فجرت بقاع الغي جــــري جــماح

بالشتم للعــــلم الإمـــام ومن له * إرث النـــــبي بأوكــــد الايضــــاح

إني أخــــاف عليكما سخط الذي * أرسى الجـــبال بسبسب صحصاح

أبــــوي فاتقــــيا الإلــــه وأذعنا * للحق........                       (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هكذا وجدناه بياضا في الأصل .

 

 

 

/ صفحة 215 /

هذه الأبيات رواها المرزباني، كتبها السيد إلى والديه يدعوها إلى التشيع وولاء أمير المؤمنين وينهاهما عن سبه وكانا أباضيين.

4

إذا أنا لم أحفظ وصــــــاة محــــمد * ولا عهده يــــوم " الغدير " مؤكدا

فإني كمن يشري الضلالـة بالهدى * تنصر من بعــــد الهــــدى أو تهودا

ومــــا لي وتــــيما أو عـــديا وإنما * أولو نعمتي فـــي الله من آل أحمدا

تــــتم صلاتــــي بالصــــلاة عــليهم * وليست صلاتي بعــــد أن أتـــشهدا

بكاملــــة إن لــــم أصــــل عـــليهم * وأدعو لهــم ربا كريمــــا ممجــــدا

بـــذلت لهم ودي ونصحي ونصرتي * مدى الدهر ما سميت ياصاح سيدا

وإن امرأ يلحى على صـــدق ودهم * أحق وأولــــى فيــــهـــم أن يـــفندا

فإن شئت فاختر عاجل الغــــم ظـلة * وإلا فامسك كــــي تصــان وتحمدا

هذه القصيدة توجد منها 25 بيتاً.

 روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 262 : إن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة وكان أبو الخلال شيخ العشيرة وكبيرها فقال له : أيها الأمير ؟ أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر ؟ فقال له عقبة : ما علمت ذاك ولا أعطيته إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقهم ورعايتهم .

 فقال له أبو الخلان : فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض .

 فقال : قد سمعك فإن شاء فعل .

 فقال السيد : إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد إلى آخر الأبيات ثم نهض مغضبا .

 فقام أبو الخلال إلى عقبة فقال : أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الأمير ؟ قال : قد فعلت على أن لا تعرض له بعدها.

5

قد أطلتم في العذل والتنقيد * بهـوى السيد الإمام السديد

يقول فيها :

 

 

/ صفحة 216 /

يــــوما قام النبي في ظـــل دوح * والورى في وديقة صيخود (1)

رافعــــا كــــفه بيمني يــــديــــه * بايحــــا باسمــــه بصــوت مديد

: أيها المسلمــــون هذا خليلي * ووزيــــري ووارثــــي وعقيدي

وابن عـمي ألا فمن كنت مولاه * فهــــذا مــولاه فارعوا عهودي

وعــــلي منــــي بمنزلة هارون * بن عــــمران مـن أخيه الودود

6

أجـد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهل غزير

يقول فيها:

لقـد سمعــــوا مقالتــــه بخــــم * غداة يضــــمهم وهــــو الغـدير

: فمن أولى بكـــم منكم فقالوا * مقالــــة واحــــد وهــــم الكثير

جميعا : أنــت مولانا وأولــــى * بنا منا وأنــــت لنــــا نــــذيــــر

: فــــإن وليــــكم بعـــدي علي * ومولاكــــم هـو الهادي الوزير

وزيري في الحياة وعند موتي * ومن بعـــدي الخــليـفة والأمير

فــــوال الله مــــن والاه منــكم * وقابله لدى المـوت الســــرور

وعــــاد الله مــــن عــاده منكم * وحل به لدى المــــوت النشور

7

ألا الحمد لله حــــمدا كثيرا * ولي المحــــامد ربا غـفورا

هــــداني إليــــه فـــوحـدته * وأخلصت توحيده المستنيرا

ويقول فيها :

لــــذلك مــــا اخــــتاره ربــــــه * لـــخــــير الأنــــام وصيا ظهيرا

فــــقــــام بخم بحيث "الغديـر" * وحــط الرحال وعاف المسيـرا

وقــــم لــــه الدوح ثـــم ارتـقى * عـــلى منــبر كان رحلا وكورا

ونادى ضحى باجتماع الحجيج * فجاؤا إليه صغـــيرا كبــــيــــرا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الوديقة : شدة الحر . والصيخود : شديد الحر . يقال : يوم صيخود وصخدان .

 

 

 

/ صفحة 217 /

فــــقال وفــــي كــــفــــه حـــيدر * يليح إليــــه مبــــينا مشــــيـــرا

: ألا إن مــــن أنــــا مـــولى له * فمــــولاه هذا قضا لن يجــــورا

فهــــل أنا بلغــــت ؟ قالوا : نعم * فقال: اشهدوا غيبا أو حضورا

يــــبلــــغ حــــاضــــركــــم غائبا * وأشهد ربـــي السميع البصيرا

فــــقوموا بأمــــر مليـــك السما * يبايعه كل عــــلـــيه أمــــيــــرا

فــــقاموا : لبيعــــته صافقــــين * أكفا فأوجــــس منهــــم نـــكيرا

فــــقال : إلهــــي وال الــــولــي * وعاد العــــدو لــــه والكــفورا

وكــــن خــــاذلا للأولى يخـذلون * وكـــن للأولى ينصرون نصيرا

فكــــيف ترى دعــوة المصطفى * مجابــــا بها أو هباءا نثيرا؟؟!!

أحبــــك يا ثــــاني المصطـــــفى * ومن أشهــد الناس فيه الغديرا

وأشهــــد أن النــــبي الأمـــــين * بلــغ فــــيك نــــداء جــــهيــــرا

وإن الــــذين تعــــادوا عــــليـك * يصـون نــــارا وساءت مصيرا

8

قــــف بالديار وحيهــــن ديـــارا * واسق الرسوم المدمع المدرارا

كانــــت تحل بها النـــوار وزينب * فـــرعى إلهي زيــنــــبا ونـــوارا

قــــل للذي عـــادى وصي محمد * وأبــــان لــــي عـــن لفظه إنكارا

يقول فيها :

من خاصف نعــــل النــبي محمد * يــــرضي بــــذاك الواحد الغفارا

فيــــقول فيه معــلنا خير الوري * جــــهرا ومــــا ناجى به إسرارا

: هــــذا وصيي فيـــكم وخليفتي * لا تجهــــلوه فترجعــــوا كـــفارا

وله بيوم "الدوح" أعظم خطبة * أدى بهــــا وحــــي الإلـه جهارا

9

 بلغ سوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة قول شاعرنا السيد الحميري في حديث الطائر المشوي المتفق عليه :

 

 

/ صفحة 218 /

لمــــا أتــــى بالخــــبر الأنبل * في طائر أهدي إلى المرسل

في خــــبر جــــاء أبــــان به * عــــن أنس في الزمن الأول

هذا وقيس الحبر يرويه عن * سفينة ذي القــــلب الخــــوّل

سفيــــنــــة يمـكن من رشده * وأنس خــــان ولــــم يعــــدل

في رده سيــــد كــــل الـورى * مــولاهم في المحكم المنزل

فـصده ذو العرش عن رشده * وشــــأنه بالــــبرص الأنـكل

فقال سوار : ما يدع هذا أحدا من الصحابة إلا رماه بشعر يظهر عواره . وأمر بحبسه فاجتمع بنو هاشم والشيعة وقالوا له : والله لئن لم تخرجه وإلا كسرنا الحبس وأخرجناه أيمتدحك شاعر فتثيبه، ويمتدح أهل البيت شاعر فتحبسه ؟ ؟ ! ! فأطلقه على مضض فقال يهجوه:

قــــولا لســــوار أبــــي شملــة * : يا واحــــدا في النــوك والعار

ما قلت في الطير خلاف الــذي * رويــــتــــه أنــــــت بــــآثــــــــار

وخــــبر المسجــــد إذ خــصــه * محــــللا مــــن عــــرصة الــدار

إن جــــنبا كـــان وإن طاهــرا * فــــي كـــــل إعــــلان وإســــرار

وأخــــرج البــــاقين منه معــا * بالــــوحي مــــن إنــــزال جــــبار

حــــبا عــــليا وحــــسينا معــا * والحــــسن الطهــــر لأطــــهــــار

وفاطمــا أهل الكساء الأولــى * خــــصوا بــــإكــــرام وإيــــثــــار

فمبغض الله يــــرى بغــضهــم * يــــصيــــر للــــخــــزي وللنــــار

عليه من ذي العرش في فعله * وسم يــــراه العـــائب الــــزاري

وأنت يا ســــوار رأس لهـــــم * فــــي كــــل خزي طــــالب الثــار

تعــــيب مــن آخاه خير الورى * من بــــين أطهــــار وأخــــيــــار

وقــــال في " خم " لــه معلنا * مــــا لــــم يلقــــوه بــــإنــــكــــار

: مــــن كنــــت مولاه فهذا له * مــــولى فــــكونوا غــــير كــــفار

فعــــولوا بعــــدي عــــليه ولا * تبغــــوا سراب المهـــمة الجاري

وقال يهجو سوار القاضي بعد موته :

 

/ صفحة 219 /

يا من غدا حاملا جــــــثمان سوار * من داره ظاعــــنا منهـــا إلى النار

لا قدس الله روحــــا كـــان هيكلهـا * لقــــد مضـت بعظيم الخزي والعار

حتى هوت قعــــر بـيروت معــــذبة * وجسمه في كنــــيف بــــين أقــذار

لقد رأيت من الرحـــمــن معجــــبة * فيه وأحكامـــه تجــــري بمقــــدار

فاذهب عليك من الــــرحمن بهلته * يا شرحي يــــراه الواحـــد الباري

يا مبغضا لأميــر الـمؤمنين وقــــد * قــــال النـــبي له من دون إنــــكار

يوم الغدير وكل النـاس قد حضروا * : من كنــت مولاه في سر وإجهار

هذا أخي ووصيي في الأمور ومن * يقوم فيكم مقــــامي عـــند تذكاري

يا رب عاد الذي عاداه مــــن بشر * وأصلــه في جحــــيم ذات إسعــــار

وأنت لا شك عـاديت الإلــــه بــــه * فيـا جحــــيم ألا هــــبــــي لســــوار

10

لأم عمرو باللــــوى مــــربـــع * طامســــة أعــــلامها بــــلقــــع

تروع عنها الطــــيــــر وحشية * والــــوحش من خيفــــته تفــزع

رقش يخاف الموت من نقشها * والسم في أنــــيابهـــا منــــقــــع

برسم دار ما بهــــا مــــؤنــس * إلا صــــلال فــــي الثــــرى وقـع

لما وقفت العيس في رسمهــا * والعــــين من عــــرفانــــه تدمـع

ذكرت من قد كنــــت ألهــو به * فبت والقــــلب شــــج مــــوجـــع

كأن بالنـــار لمــــا شفــــنــــي * من حــــب أروى كبــــدي لــــدع

عجبت من قــــوم أتــوا أحمدا * بخــــطــــة ليــــس لها مــــوضع

قالوا له : لو شئت أعـــــلمتنا * إلـى من الغــــاية والمــــفــــزع

إذا توفيــــت وفــــارقــــتــــنــا * وفيهــــم فــــي المـلك من يطمع

فــــقال : لو أعلمتــكم مفزعا * كنتم عســــيــــتم فيه أن تصنعوا

صنيع أهل العجل إذ فـــارقوا * هـارون فالتــــرك لــــه أوســــع

وفي الذي قــــال بيان لمــــن * كــــان إذا يعــــقل أو يــــســــمـع

ثــم أتــــته بعــــد ذا عــــزمة * من ربــــه ليــــس لهــــا مــــدفع

 

 

/ صفحة 220 /

ثـــــم أتــــتــــه بعــــد ذا عــــزمة * من ربــــه ليــــس لهــــا مــــدفع

بلـــغ وإلا لـــم تكن مبلـــغــــــــــا * والله منـــهم عـــاصم يـــمـــنــــع

فعــندها قـــام النـــبي الــــــــــذي * كـــان بما يأمـــر بـــه يـــصــــدع

يخطـــب مـــأمـورا وفي كـفـــــــه * كـــف عـــلي ظاهـــر تـــلـــــمـــع

رافعها أكـــــــرم بـكـــف الــــــذي * يـــرفع والكـــف الـــذي تـــرفـــع

يقول والأمـــلاك مـــن حــــــــوله * والله فيهـــم شـــاهـــد يـــسمـــــع

: مـــن كنـــت مولاه فهـذا لـــــــه * مـــــــولى فلـم يرضوا ولم يقنعوا

فــاتهمــــوه وحــــنت فيــــهــــــــم * علــــى خــــلاف الصادق الأضلع

وضل قــــوم غــــاضهم فعــــلــــه * كــــأنمــــا آنــــافــــهم تــــجــــدع

حــــتى إذا واروه فــــي لــــحــــده * وانصــــرفوا عــــن دفـنه ضيعوا

ما قــــال بالأمــــس وأوصـــي به * واشتــــروا الضــــر بمــــا ينـــفع

القصيدة 54 بيتا

* (ما يتبع الشعر) *:

عن فضيل الرسان قال : دخلت على جعفر بن محمد عليه السلام أعزيه عن عمه زيد ثم قلت : ألا أنشدك شعر السيد ؟ فقال : أنشد .

 فأنشدته قصيدة يقول فيها :

فالناس يوم البعث راياتهم * خــــمس فمنها هالك أربع

قائدها العجل وفرعونـــهم * وســــامري الأمة المفظع

ومـــــارق من دينه مخرج * أســــود عــــبد لـكع أوكع

وراية قــــائدها وجـــهــــه * كــــأنه الشمس إذا تــطلع

فسمعت نحيبا من وراء الستور فقال : من قائل هذا الشعر ؟ فقلت : السيد . فقال : رحمه الله . فقلت : جعلت فداك إني رأيته يشرب الخمر . فقال : رحمه الله فما ذنب على الله أن يغفره لآل علي، إن محب علي لا تزل له قدم إلا ثبتت له أخرى . الأغاني 7 ص 251 .

 ورواه أيضا في الأغاني 7 ص 241 وفيه : فسألني لمن هي ؟ فأخبرته أنها للسيد وسألني عنه فعرفته وفاته (1) فقال : رحمه الله . قلت : إني رأيته يشرب النبيذ في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه الكلمة دخيلة لا تتم إذ الحميري توفي بعد وفاة الصادق عليه السلام بسنتين ؟ . ولا توجد هي في رواية المرزباني والكشي .

 

 

 

/ صفحة 221 /

الرستاق قال : أتعني الخمر ؟ قلت : نعم .

 قال : وما خطر ذنب عند الله أن يغفره لمحب علي عليه السلام؟!

 وروى الحافظ المرزباني في " أخبار السيد " عن فضيل قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام بعد قتل زيد فجعل يبكي ويقول : رحم الله زيدا إنه للعالم الصدوق، ولو ملك أمرا لعرف أين يضعه . فقلت : أنشدك شعر السيد ؟ فقال : أمهل قليلا .

 وأمر بستور فسدلت وفتحت أبواب غير الأولى ثم قال : هات ما عندك . فأنشدته :

لأم عمرو باللوى مربع وذكر * ....... 13 بيتا

فسمعت نحيبا من وراء الستور ونساء تبكين فجعل يقول : شكرا لك يا إسماعيل قولك . فقلت له : يا مولاي إنه يشرب نبيذ الرساتيق . فقال : يلحق مثله التوبة ولا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا .

 ورواه الكشي في رجاله ص 184 بتغيير يسير في بعض ألفاظه .

 وروى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 251 عن زيد بن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم وقدامه رجل جالس عليه ثياب بيض فنظرت عليه فلم أعرفه إذ التفت إليه رسول الله فقال : يا سيد ؟ أنشدني قولك:

لأم عمرو باللوى مربع  * ......

 فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا فحفظتها عنه كلها في النوم، قال أبو إسماعيل : وكان زيد بن موسى لحانة ردئ الانشاد فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن .

 وهذا الحديث رواه الحافظ المرزباني في أخبار السيد .

 وفي " الأغاني " 7 ص 279 عن أبي داود المسترق عن السيد أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فاستنشده فأنشد قوله :

لأم عمرو باللوى مربع * طامســـة أعلامها بلقع

حتى انتهى إلى قوله :

قالوا له : لو شئت أعلمتنا * إلى مــــن الغاية والمفزع

فقال : حسبك . ثم نفض يده وقال : قد والله أعلمتهم . وقال الشريف الرضي في [ خصايص الأئمة ] : حكي أن زيد بن موسى بن جعفر

 

 

/ صفحة 222 /

ابن محمد عليهم السلام رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام في موضع عال شبيه بالمسناة وعليها مراق فإذ منشد ينشد قصيدة السيد ابن محمد الحميري هذه وأولها :

لأم عمرو باللوى مربع * طـــامسة أعلامها بلقع

حتى انتهى إلى قوله : قالوا له :

لــــو شئت أعــــلمتـــــنا * إلى من الغاية والمفزع

قال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وتبسم وقال : أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ أو لم أعلمهم ؟ ثم قال لزيد : إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة .

 قال : فعددت المراقي وكان نيفا وتسعين مرقاة، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة، وهو الملقب بزيد النار .

 قال العلامة المجلسي في " بحار الأنوار " 11 ص 150 : وجدت في بعض تأليفات أصحابنا أنه روى بإسناده عن سهل بن ذبيان قال : دخلت على الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في بعض الأيام قبل أن يدخل عليه أحد من الناس فقال لي : مرحبا بك يا بن ذبيان ؟ الساعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا .

 فقلت : لماذا ؟ يا بن رسول الله ؟ فقال : لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأرقني . فقلت : خيرا يكون إنشاء الله تعالى .

 فقال : يا بن ذبيان ؟ رأيت كأني قد نصب لي سلم فيه مائة مرقاة فصعدت إلى أعلاه . فقلت : يا مولاي ؟ أهنيك بطول العمر وربما تعيش مائة سنة . فقال عليه السلام ما شاء الله كان .

 ثم قال : يا بن ذبيان ؟ فلما صعدت إلى أعلا السلم رأيت كأني دخلت في قبة خضراء يرى ظاهرها من باطنها ورأيت جدي رسول الله جالسا وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يشرق النور من وجههما، ورأيت امرأة بهية الخلقة، ورأيت بين يديه شخصا بهي الخلقة جالسا عنده، ورأيت رجلا واقفا بين يديه وهو يقرأ :

لأم عمرو باللوى مربع * .........

 فلما رآني النبي قال لي : مرحبا بك يا ولدي يا علي بن موسى الرضا ؟ سلم علي أبيك علي . فسلمت عليه، ثم قال لي : سلم على أمك فاطمة الزهراء عليها السلام . فسلمت عليها، فقال لي : فسلم على أبويك الحسن والحسين . فسلمت عليهما، ثم قال

 

 

/ صفحة 223 /

لي : وسلم على شاعرنا ومادحنا في دار الدنيا السيد إسماعيل الحميري . فسلمت عليه و جلست فالتفت النبي السيد إسماعيل وقال له .

 عد إلى ما كنا فيه من إنشاد القصيدة فأنشد يقول:

لأم عمرو باللوى مربع * ............

 فبكى النبي صلى الله عليه وآله فلما بلغ إلى قوله : ووجهه كالشمس إذ تطلع بكى النبي وفاطمة ومن معه، ولما بلغ إلى قوله:

قالوا له : لو شئت أعلمتنا * إلى من الغايــــة والمفزع

رفع النبي صلى الله عليه وآله يديه وقال : إلهي أنت الشاهد علي وعليهم إني أعلمتهم : أن الغاية والمفزع علي بن أبي طالب.

 وأشار بيده إليه وهو جالس بين يديه، قال علي بن موسى الرضا : فلما فرغ السيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة إلتفت النبي إلي وقال لي : يا علي بن موسى ؟ إحفظ هذه القصيدة ومر شيعتنا بحفظها وأعلمهم : إن من حفظها وأدمن قرائتها ضمنت له الجنة على الله تعالى .

 قال الرضا : ولم يزل يكررها علي حتى حفظتها منه والقصيدة هذه ثم ذكرها برمتها .

 * (قال الأميني) * : هذا المنام ذكره القاضي الشهيد المرعشي في " مجالس المؤمنين " ص 436 نقلا عن رجال الكشي ولم يوجد في المطبوع منه، ولعل القاضي وقف على أصل النسخة الكاملة ووجده فيه، ونقله الشيخ أبو علي في رجاله (منتهى المقال) ص 143 " عن عيون الأخبار " لشيخنا الصدوق، وتبعه الشيخ المعاصر في " تنقيح المقال " 1 ص 59، والسيد الأمين في " أعيان الشيعة " 13 ص 170، ولم نجده في نسخ العيون المخطوطة والمطبوعة .

 ورواه شيخنا المولى محمد قاسم الهزار جريبي في شرح القصيدة، والسيد الزنوزي في الروضة الأولى في كتابه الضخم الفخم " رياض الجنة " . والسيد محمد مهدي في آخر كتابه " رياض المصائب " .

شروح القصيدة :

شرح هذه العينية جمع من أعلام الطايفة منهم :

 

 

/ صفحة 224 /

1 - الشيخ حسين بن جمال الدين الخوانساري المتوفى 1099 .

 2 - ميرزا علي خان الگلپايگاني تلميذ العلامة المجلسي .

 3 - المولى محمد قاسم الهزار جريبي المتوفى بعد سنة 1112 وقد صنف فيها كتابه (التحفة الأحمدية) يوجد هذا الشرح في النجف الأشرف .

 4 - بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الاصبهاني الشهير بالفاضل الهندي المولود 1062 والمتوفى 1135 .

 5 - الحاج المولى محمد حسين القزويني المتوفى في القرن الثاني عشر .

 6 - الحاج المولى صالح بن محمد البرغاني .

 7 - الحاج ميرزا محمد رضا القراجة داغي التبريزي فرغ منه سنة 1289 وطبع في تبريز سنة 1301 .

 8 السيد محمد عباس بن السيد على أكبر الموسوي المتوفى 1306، أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر يأتي هناك شعره وترجمته .

 9 - الحاج المولى حسن بن الحاج محمد إبراهيم بن الحاج محتشم الأردكاني المتوفى 1315 .

 10 - الشيخ بخشعلي اليزدي الحايري المتوفى 1320 .

 11 - ميرزا فضعلي بن المولى عبد الكريم الأرواني التبريزي المتوفى سنة نيف و 1330 مؤلف " حدائق العارفين " .

 12 - الشيخ علي بن علي رضا الخوئي المتوفى 1350 .

 13 - السيد أنور حسين الهندي المتوفى 1350 .

 14 - السيد علي أكبر بن السيد رضي الرضوي القمي المولود سنة 1317 .

 15 - الحاج المولى علي التبريزي مؤلف (وقايع الأيام) المطبوع (1) .

 وخمسها جمع من العلماء والأدباء منهم : شيخنا الحر العاملي صاحب " الوسايل " وحفيده الشيخ عبد الغني العاملي نزيل البصرة والمتوفى بها ومطلع تخميسه :

جوابه كأس الأسى أجرع * صــرفا وأجفاني حيا تدمع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه الشروح وقفت على بعضها ونقلت جملة منها عن " الذريعة " لشيخنا الرازي .

 

 

 

/ صفحة 225 /

فاسمع حديثا بالأسى مسمع * لأم عــــمرو باللوى مـــربع

ومنهم : الشيخ حسن بن مجلي الخطي وأول تخميسه :

لا تنكروا إن جيرتي أزمعوا * هجرا وحبل الوصل قد قطعوا

كم دمنــة خــــاوية تجــــزع * لأم عمرو .......................

كانت بأهل الود إنسية * تزهو بزهر الـــــروض موشيــــة

فأصبحت بالرغم منسية * تروع عنها ........................

ومنهم : سيدنا السيد علي النقي النقوي الهندي الآتي شعره وترجمته في القرن الرابع عشر ومستهل تخميسه:

أتنطوي فوق الأسى الأضلع * صبرا وترقى مني الأدمع؟؟!!

وذاك حيث الظعن قد أزمعوا * لأم عمرو ......................

قد ذاكرته السحــــب وسمية * ولاعــــبته الــــريح شـــرقية

لأرسم أصبحــــن منــــسيــة * تروع عنها  ...................

 

* (ومن غديريات السيد الحميري) *

11

هــــبّ عـــليّ بالمــــلام والعــــذل * وقال : كم تذكــــر بالشعر الأول؟!

كــــف عــــن الشــر فقلت : لا تقل * ولا تخــــل أكــــف عن خير العمل

إنــــي أحــــب حــــيدرا مناصـــــحا * لمن قفا مواثبــــا لمــــن نــــكــــل

أحــــب مــــن آمــــن بـــالله ولــــم * يشرك به طــــرفــة عين في الأزل

ومن غدا نفس الرسول المصطفى * صلــــى الله عــــليـــه عند المبتهل

وثــــاني النــــبي في يــــوم الـكسا * إذ طهــر الله به مــــن اشتــــمــــل

وقــــال : خلفــــت لكــم كــــتابــــه * وعــــترتي وكــــل هــــذين ثــــقـل

فليــــت شعــــري كيــف تخلفونني * في ذا وذا إذا أردت المــــرتحــــل؟

وجــــاء مــــن مكـــة والحجيج قد * صاحبه مــــن كــــل سهــــل وجبل

حــــتى إذا صــــار بخــــم جــــاءه * جبريل بالتبــــليغ فــــيهم فــــنـــزل

وقــــم ذاك الـــدوح فاستوى على * رحل ونــــادى بعــــلي فــــارتحـــل

 

 

/ صفحة 226 /

وقــــال : هــــذا فيكـــم خليفــــتي * ومــــن عــــليه فـي الأمور المتكل

نحــــن كهاتين وأومــــا باصبـــع * من كفــــه عــــن إصبـع لم تنفصل

لا تبتغــــوا بالطــــهر عــــنه بدلا * فــــليس فيكم لعــــلي مــــن بـــــدل

ثــــــــم أدار كــــــفــــه لكــــفــــه * يرفعهــــا منــــه إلــــى أعــلا محل

فقـــال : بايعوا له وسلموا الأمر * إليــــه واسلمــــوا مــــن الــــزلـل

ألست مــــولاكـم ؟ فذا مولى لكم * والله شــــــاهــــد بذا عــــز وجــــل

يا رب وال مــــن يوالــــي حـيدرا * وعــــاد من عاداه واخذل من خذل

يا شاهــــدي بلغــــت ما أنـــــزله * إلــــي جبريل وعــــنه لــــم أحــــل

فبايعــــوا وهنــــئوا وبخــــبخــوا * والــــصدر مطـــــوي له على دغل

فقــل لمن ينقم منه : مـا رأى ؟! * وقــــل لمن يعـــدل عنه: لِمْ عدل؟!

12

أعلماني أي بــــرهان جــلي * فتقـــولان بتفــــضيل عــــلي ؟

بعــد ما قام خطيــــبا معــــلـنا * يوم " خم " باجتماع المحفل

أحمد الخــــير وناد جـــاهــرا * بمقــــال منــــه لــــم يفتعـــــل

قال : إن الله قــــد أخــبرنــي * في معاريض الكتاب المنـــزل

: إنه أكــــمل دينــــا قيــــمــا * بعلي بعــــد أن لــــم يكــــمــل

وهو مولاكــــم فـــويل للــذي * يتولى غــــير مــــولاه الـولي

وهو سيـــفي ولساني ويــدي * ونــــصيري أبــــدا لــــم يــزل

وهو صنوي وصفيي والــذي * حــبه في الحـــشر خير العمل

نوره نوري ونــوري نــــوره * وهو بي متصــــل لــــم يفصل

وهو فيكم من مقـــــامي بدل * ويل مــــن بــــدل عهــــد البدل

قوله قــولي فمــــن يأمــــره * فليطعــــه فــــيه وليمتــــثـــــل

إنمــــا مولاكــــم بعــــدي إذا * حــــان مــــوتي ودنا مرتحلي

ابن عــــمي ووصيي وأخــي * ومجيــبي فــــي الرعيل الأول

وهو باب لعــلومي فسقــــوا * ماء صبــــر بنفــــيع الحــنظل

 

 

/ صفحة 227 /

فطبوا في وجهــــه وائتــــمروا * بينهــــم فيــــه بأمـــــر معـــضل

13

أشــــهــــد بــــــــــــــــالله وآلاءه * والمــــرء عــــمــــا قــاله يسأل

: أن عـلــــي بــــن أبــــي طـالب * خــــليفـــة الله الــــذي يــــعــــدل

وإنه قــــد كــــان مــــن أحــــمـد * كمثــــل هــــارون ولا مــــرســل

لكــــن وصي خــــازن عــــنــــده * عــــلــــم مــــن الله بــــه يعـــمل

قد قام يوم "الدوح" خير الورى * بوجهــــه للنــــاس يستــــــقبــــل

وقــــال : مـــن قد كنت مولى له * فــــذا له مــــولى لكــــم مــــوئـل

لكن تــــواصوا بعــــلي الهــــدى * أن لا يــــوالوه وأن يخــــذلـــــوا

14

قــــام النبي يــــوم خـم خاطبا * بجانب الدوحــــات أو حيــالها

فقــال : من كنت له مولى فذا * مـولاه ربي اشهد مرارا قالها

قـالوا : سمعنا وأطعنا كلــــنـا * وأسرعــوا بالألسن اشتغالها

وجــــاءهم مشيخــــة يقدمهم * شيخ يهني حـــيدرا مثــــالهـــا

قال لــه : بخ بخ من مثلكــــا * أصحبت مولى المؤمنين يا لها

يا عجبــــا وللزمـان عجــــب * تلقى ذوو الفكــــر بــه ضلالها

إن رجــــــالا بايعــــته إنمــــا * بايعت الله، فمــــا بــــدا لهــا؟!

وكيف لم تشهــد رجال عندما * استشهد في خــطبته رجالها؟!

وناشد الشيخ فــــقال : إنـني * كبرت حــــتى لــــم أجد أمثالها

فقال : والكاذب يرمـى بالتي * ليس تــــواري عــــمــــة تنالها

أشار في الأبيات الأخيرة إلى ما مر ج 1 ص 166 - 185 و 191 - 195 من حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة بحديث الغدير لما نوزع في خلافته وكتمان أنس بن مالك شهادته له وإصابة دعوته عليه السلام عليه .

15

لمن طلل كـــالوشــــم لم يتكــــلـــم * ونــــؤي وآثــــار كترقيش معجــم؟؟

 

 

/ صفحة 228 /

ألا أيها العاني الذي ليس فــي الأذى * ولا اللـوم عـــندي في عــلي بمحجم

ستأتيك مني فــــي عــــلي مقـــالــــة * تسوؤك فاستأخــــر لهــــا أو تقـــدم

علي لــــه عــــنــــدي على من يعيبه * من الناس نصــــر باليدين وبالفــــم

متى مــــا يرد عندي معــــاديه عـيبه * يجد ناصرا مــــن دونـــه غير مفحم

عــــلي أحــــب الناس إلا محــــمـــدا * إلي فدعــــني مــــن ملامــــك أو لم

علي وصي المصطفى وابن عــــمـه * وأول مــــن صلى ووحــــد فاعــــلم

علي هو الهادي الإمام الـــــذي بـــه * أنار لنا من دينــــنا كــــل مظــــلــــم

علي ولي الحــــوض والـذائد الـــذي * يذبب عن أرجــــاءه كــــل مــجــــرم

علي قسيــــم النـار من قوله لهـــا : * ذري ذا وهذا فاشربي منه واطعـمي

خذي بالشوى ممن يصيــــبك منــهـم * ولا تقربي من كان حــــزبي فتظلمي

علي غــــدا يدعا فيـــــكسوه ربـــــــه * ويدنيه حقا مــــن رفــــيــــق مــكرم

فإن كنــــت منه يـــوم يدنيه راغــــما * وتبدي الرضا عنه من الآن فارغــم

فإنك تلقاه لـــدى الحـــــوض قائمــــا * مع المصطفى الهادي النبي المعظـم

يجيزان من والاهمـــا في حــــياتــــه * إلى الروح والظــــل الضليل المكمم

علي أميــــر المــــؤمنين وحــــقـــــه * من الله مفــــروض عــلى كل مسلم

لأن رســــول الله أوصى بحـــقــــــــه * وأشركه في كــــل فـيئ ومغــــنـــــم

وزوجــــته صـــــديقـــة لم يكن لهــــا * مقارنة غــــيــــر البــــتــــول مـــريم

وكـــان كهــــــارون بن عمران عنده * من المصطفى موسى النجيب المكلم

وأوجـــب يــــوما بـــالغــــــدير ولاءه * على كل بر مــن فــــصيح وأعــــجـم

لــــدى دوح " خــــم " آخــــذا بيمينه * ينادي مبينا باسمــــه لــــم يجــــمجم

أمــــا والذي يهــــوي إلــى ركن بيته * بشعث النواصي كــــل وجــناء عيهم

يوافيــــن بالــــركبان من كــــل بلــدة * لقد ضل يوم " الدوح " مـن لم يسلم

وأوصى إليــــه يــــوم ولــــى بأمــره * وميراث علم من عرى الديـــن محكم

(القصيدة توجد منها 42 بيتا)

قال الحافظ المرزباني في " أخبار السيد " : إن السيد الحميري كتب بهذه القصيدة

 

 

/ صفحة 229 /

إلى عبد الله بن أباض رأس الأباضية لما بلغه أنه يعيب على علي عليه السلام ويتهدد السيد بذكره عند المنصور بما يوجب قتله، فلما وصلت إلى ابن أباض امتعض منها جدا وأجلب في أصحابه وسعى به إلى الفقهاء والقرآن فاجتمعوا وصاروا إلى المنصور وهو بدجلة البصرة فرفعوا قصته فأحضرهم وأحضر السيد فسألهم عن دعواهم، فقالوا : إنه يشتم السلف، ويقول بالرجعة، ولا يرى لك ولا لأهلك إمامة . فقال لهم : دعوني أنا واقصدوا لما في أنفسكم . ثم أقبل على السيد فقال : ما تقول فيما تقولون ؟ فقال : ما أشتم أحدا وإني لا ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ابن أباض قل له : يترحم على علي وعثمان وطلحة والزبير . فقال له : ترحم على هؤلاء .

 فتلوى (تثاقل) ساعة فحذفه المنصور بعود كان بين يديه وأمر بحبسه فمات في الحبس وأمر بمن كان معه فضربوا بالمقارع وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم:

16

يالقـــومي للنـــبي المصـطفى * ولما قـــد نـــال مــن خير الأمم

جحـــدوا مـــا قالـه في صنوه * يـــوم خـــم بـــين دوح منـــتـظم

: أيها النـــاس فمــن كنت له * واليـــا يوجـــب حقي فــي القدم

فعــلي هـــو مـــولاه لـــمـــن * كنت مـــولاه قضـــاء قـــد حــتم

أفـــلا ينفذ فيهم حـــكمـــــه ؟ * عجـــبا يــولع في القلب الضرم

17

ألا إن الــوصيـــة دون شــــــك * لخـــير الخـــلق مــن سام وحام

وقــــــال محمـــد بــغـــدير خـــم * عـــن الرحـــمن ينطـق باعتزام

يصيـــح وقـــــد أشار إليه فيكم * إشـــارة غـــير مصـــغ للـــكلام

: ألا مـــن كـــنـــت مولاه فهـذا * أخـــي مولاه فاستمعــوا كلامي

فقـــال الشــيخ يقـــدمهـم إليــه * وقـــد حصـــدت بـداه من الزحام

ينادي: أنت مولاي ومولــى ال *  أنــام فلم عـصى مولى الأنام؟!

وقــد ورث النــبي رداه يــومــا * وبــردتـــه ولائــكــة اللــجــــــام

 

 

/ صفحة 230 /

18

على آل الرســـول وأقــربيه * ســـلام كلمـــا سجـــع الحمام

أليسو في السماء وهم نجوم * وهـــم أعـلام عز لا يرام؟؟!!

فيا من قد تحـــير فـــي ضلال * أمير المؤمنين هـــو الإمـــام

رسول الله يوم " غدير خم " * أناف به وقـــد حضـــر الأنـام

تأتي القصيدة بتمامها في ترجمته . قال المعتز في طبقاته ص 8 : حكوا عن بعضهم أنه قال : رأيت حمالا عليه حمل ثقيل وقد جهده، فقلت : ما هذا ؟ فقال : ميميات السيد .

19

نفسي فداء رسول الله يـــوم أتــــى * جـــبريل يأمـــر بالتبليـــغ إعـــلانـــا

: إن لـــم تبلـــغ فما بلغـت فانتصب * النـــبي ممتـــثلا أمـــرا لمـــن دانـــا

وقـــال للناس : مـــن مـــولاكم قبلا * يوم الغدير ؟ فقـــالوا : أنــت مولانا

أنت الرسول ونحن الشاهدون على * أن قـــد نصحـــت وقـــد بــينت تبيانا

: هـــذا وليكـــم بعـــــدي أمــرت به * حـــتمـا فكونوا له حـــزبا وأعـــوانا

هـــذا أبـــركم بـــرا وأكـــثـــركــــــم * عـــلمـــا وأولكـــم بـــالله إيـــمانــــا

هذا لـــه قـــربـــة منـــي ومنـــزلــة * كانت لهارون من موسى بن عمرانا

20

أتـــى جـــبرئيل والـــنبي بضحـــوة * فقال : أقم والناس في الوخد تمحن

وبلــغ وإلا لـــم تبـــلغ رســـالــــــة * فحـــط وحـــط النـــاس ثـــم ووطنوا

عـــلــى شجرات في الغدير تقادمت * فـــقام على رحـــل ينـــادي ويعـــلن

وقال : ألا مـــن كنــــت مولاه منكم * فـــمولاه مـــن بعــدي علي فأذعنوا

فقال شـــقي منهـــم لـــقـــريـــنـــــه * وكـــم مـــن شقـــي يستـــزل ويفتن

: يمـــد بضبعـــيه عـــليـــا وإنــــــه * لمـــا بالـــذي لم يـــؤته لمـــزيّــــنُ

كــــأن لم يكن في قـــلبه ثقـــة بـــه * فيا عجــبا أنى ومن أين يؤمن؟؟!!

21

منحت الهوى المحض مني الوصيا * ولا أمـــــنـــح الـــود إلا عـــلــــيـــــا

 

 

/ صفحة 231 /

دعــاني النبي عليه السلام * إلـــى حـــبه فأجبت النبيا

فعــــاديت فيـــه وواليـــتـه * وكنت لمـــولاه فـــيه وليا

أقــــام بخـــم بحيث الغدير * فـــقــال فأسمع صوتا نديا

: ألا ذا إذا مـــت مــولاكم * فأفهمه العرب والأعجميا

22

به وصى النبي غداة " خم " * جميع الناس لو حفظوا النبيا

وناداهم : ألست لكم بمولى؟ * عـــباد الله فاستمعـــوا إلـــيا

فقالوا : أنت مولانا وأولـــى * بنا منـــــا فضـــم له عـــليـــا

وقال لهم بصـــوت جــهوري * وأسمع صـــوته من كان حيا

: فمن أنا كنـــت مولاه فـإني * جعلت له أبا حـــسن ولـــيـــا

فعاد الله من عـــاداه منـــكــم * وكان بمـــن تولاه حـــفـــيـــا

23

وقام محـــمد بغـــدير خـــم * فنادى معـــلنا صوتــــا نديا

لمن وافاه من عرب وعجم * وحـــفوا حــول دوحته حنيا

: ألا من كنت مـــولاه فهذا * لـــه مولى وكـــان به حفيا

إلهي عاد من عـــادى عليا * وكـــن لوليـه ربـــي ولـــيا

* (الشاعر) *

أبو هاشم وأبو عامر إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد " نسبه " ذكر أبو الفرج الاصبهاني وكثير من المؤرخين : إنه حفيد يزيد بن ربيعة مفرغ أو ابن مفرغ الحميري الشاعر المشهور الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب، وحبسه عبد الله بن زياد لذلك وعذبه ثم أطلقه معاوية، لكن المرزباني نسبه إلى يزيد بن وداع وقال في كتاب " أخبار الحميري " : أمه من حدان (1) تزوج بها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) حدان بضم المهملة إحدى محال البصرة القديمة يقال لها : بنو حدان .

 سميت باسم قبيلة أبوها حدان بن شمس بن عمرو من الأزد .

 

 

 

/ صفحة 232 /

أبوه لأنه كان نازلا فيهم، وأم هذه المرأة بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر المعروف، وليس ليزيد بن مفرغ عقب من ولد ذكر، ولقد غلط الأصمعي في نسبة السيد إلى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه لأنه جده من جهة أمه . ا ه‍ .

 وذكر المرزباني له في " معجم الشعراء " :

إني امـــرؤ حميري حيــــن تنسبني * جـــدي رعـــيـن وأخوالي ذوو يزن

ثم الـــولاء الذي أرجــــو النجاة به * يوم القيامة للهادي أبي الحسن(1)

يكنى بأبي هاشم وقال شيخ الطايفة : بأبي عامر، وكان بلقب منذ صغر سنه بالسيد قال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 186 : روي أن أبا عبد الله عليه السلام لقي السيد بن محمد الحميري وقال : سمتك أمك سيدا، وفقت في ذلك، وأنت سيد الشعراء. ثم أنشد السيد في ذلك:

ولقد عجـــبت لقائـــل لـــي مــــرة * علامـــة فهـــم مـــن الفـــقـهـــاء

سماك قـــومك سيدا صدقــــوا به * أنت الموفـــق ســـيـــد الشعـــراء

ما أنت حـــين تخص آل محـــمــد * بالمدح منــك وشـــاعـــر بـــسواء

مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم * والمدح منـــك لهـــم بغــــير عطاء

فأبشر فإنـــك فايـــز في حـــبــهم * لو قـــد وردت عـــليهـــم بـــجــزاء

ما يعـــدل الدنيا جـــميعا كلـــهـــا * من حـــوض أحــمد شربة من ماء

* (أبواه وقصته معهما) *: روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 230 بإسناده عن سليمان بن أبي شيخ : إن أبوي السيد كانا إباضيين (2) وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة، وكان السيد يقول : طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيع عن أين وقع له ؟ قال : غاصت علي الرحمة غوصا، وروي عن السيد : أن أبويه لما علما بمذهبه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) البيتان من أبيات له تأتي قصتها .

 (2) الإباضية بكسر الهمزة أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد وهم قوم من الحرورية زعموا أن مخالفهم كافر، وكفروا عليا أمير المؤمنين عليه السلام و أكثر الصحابة .

 

 

 

/ صفحة 233 /

هما بقتله فأتى عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلا وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما . وروى المرزباني في [ أخبار السيد ] بإسناده عن إسماعيل بن الساحر رواية السيد قال : كنت أتغدا مع السيد في منزله فقال لي : طال الله ما شتم أمير المؤمنين عليه السلام ولعن في هذا البيت . قلت : ومن فعل ذلك ؟ قال : أبواي كانا إباضيين . قلت : فكيف صرت شيعيا ؟ قال غاصت علي الرحمة فاستنقذتني .

 روى المرزباني أيضا عن حودان الحفار ابن أبي حودان عن أبيه وكان أصدق الناس أنه قال : شكى إلي السيد : إن أمه توقظه بالليل وتقول إني أخاف أن تموت على مذهبك فتدخل النار، فقد لهجت بعلي وولده فلا دنيا ولا آخرة .

 ولقد نغصت علي مطعمي ومشربي، وقد تركت الدخول إليها وقلت أنشد قصيدة منها:

إلـــى أهـل بيت ما لمن كان مؤمـــــنا * مـــن الناس عنهم في الولاية مذهب

وكـــم من شقيق لامني في هـــــواهم * وعـــاذلة هــــبـــت بليـــل تـــؤنــــــب

تقول ولم تــقصد وتعـــتــــــــب ضلـــة * وآفـــة أخـلاق النـــساء التعـــتـــــب

وفارقــــت جيـــرانا وأهــــــــل مـــودة * ومن أنت من حـــين تدعى وتنســـب

فأنـــت غـــريب فـــيهــــــم متبـــاعـــد * كــــأنـــك مـــمـــا يتقـــونـــك أجـــرب

تعـــيـــبهــم فــــــي دينهم وهـــم بمـــا * تـــدين بـــه أزرى عـــليك وأعـــيـــب

فقلت : دعـــيني لن احـــبر مـدحــــــة * لغـــــــيـــرهم مـــا حــــــج لله أركـــب

أتنهــينـــني عـــن حب آل محــــمد ؟ ! * وحبــــــهـــم مـــمـــا بـــه أتـــقــــــرب

وحـــبهـم مـــثـــل الصـــلاة وإنـــــــــه * على الناس من بعد الصلاة لأوجب(1)

وقال المرزباني أخبرني محمد بن عبيد الله البصري عن محمد بن زكريا العلائي، قال : حدثتني (العباسة) بنت السيد قالت : قال لي أبي : كنت وأنا صبي أسمع أبوي يثلبان أمير المؤمنين عليه السلام فأخرج عنهما وأبقى جايعا وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جايعا لحبي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثم خرجت، فلما كبرت قليلا وعقلت وبدأت أقول الشعر قلت لأبوي : إن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في بعض النسخ : من بعض الصلاة لأوجب * وحق المقام أن يقول : من قبل الصلاة .

 

 

 

/ صفحة 234 /

لي عليكما حقا يصغر عند حقكما علي فجنباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام بسوء، فإن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما، فتماديا في غيهما فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعرا وهو : خف يا محمد فالق الإصباح - وأزل فساد الدين بالإصلاح أتسب صنو محمد ووصيه - ترجو بذلك فوزة الإنجاح ؟ ؟ ! ! هيهات قد بعدا عليك وقربا - منك العذاب وقابض الأرواح أوصى النبي له بخير وصية - يوم " الغدير " بأبين الافصاح إلى آخر الأبيات المذكورة في غديرياته .

 فتواعدني بالقتل فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي : لا تقربهما وأعد لي منزلا أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى علي جراية تفضل على مؤونتي .

 وقال : كان أبواه يبغضان عليا عليه السلام فسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال :

لعـــــن الله والدي جـــــميــــعــــا * ثـــــم أصلاهمـــــا عذاب الجحيم

حـــــكما غــدوة كما صليا الفجر * بلعـــــن الـــــوصي بـــاب العلوم

لعنا خير من مشى ظهر الأرض * أو طــــاف محرما بالحــــطـــــيم

كفـــــرا عـند شتم آل رسول الله * نســـــل المهـــــذب المعــــــصوم

والوصـي الذي به تثبت الأرض * ولـــــولاه دكـــــدكت كـــــالرميــم

وكـــــذا آلــه أولو العلم والفهم * هـــــداة إلى الـــــصراط القويــــم

خــــلفاء الإله في الخلق بالعدل * وبالـــــقسط عـــــنـــد ظلم الظلوم

صلـــــوات الإلــــه تترى عليهم * مقـــــرنات بالـــــرحـــب والتسليم

ورواها ابن شاكر في " الفوات " 1 ص 19 .

عظمته والمؤلفون في أخباره :

لم تفتء الشيعة تبجل كل متهالك في ولاء أئمة أهل البيت، وتقدر له مكانة عظيمة، وتكبر منه ما أكبره الله سبحانه ورسوله من منصة العظمة، أضف إلى ذلك ما كان بمرأى منهم ومسمع في حق السيد خاصة من تكريم أئمة الحق صلوات الله عليهم مثواه، وتقريبهم لمحله منهم، وإزلافهم إياه، وتقديرهم لسعيه المشكور في

 

 

/ صفحة 235 /

الإشادة بذكرهم والذب عنهم، والبث لفضائلهم، وتظاهره بموالاتهم، وإكثاره من مدائحهم مع رده الصلاة تجاه هاتيك العقود الذهبية لأن ما كان يصدر منه من تلكم المظاهر لم تكن إلا تزلفا منه إلى المولى سبحانه، وأداءا لأجر الرسالة، وصلة للصادع بها صلى الله عليه وآله، ولقد كاشف في ذلك كله أبويه الناصبيين الخارجيين، فكان معجزة وقته في التلفع بهذه المآثر كلها، والتظاهر بهذا المظهر الطاهر، ومنبته ذلك المنبت الخبيث، فما كان الشيعي يوم ذاك وهلم جرا يجد من واجبه الديني إلا إكباره وخفض الجناح عند عظمته .

 قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 ص 289 : السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة، وفي حديث شيخ الطايفة الآتي : قال جعفر بن عفان الطائي للسيد : يا أبا هاشم ؟ أنت الرأس ونحن الأذناب .

 وليس ذلك ببدع من الشيعة بعد ما أزلفه الإمام الصادق عليه السلام وأراه من دلايل الإمامة ما أبقى له مكرمة خالدة حفظها له التاريخ كحديث إنقلاب الخمر لبنا .

 والقبر وإطلاق لسانه في مرضه وغيرهما، واستفاض الحديث بترحمه عليه السلام إياه والدعاء له والشكر لمساعيه، وبلغهم قوله عليه السلام لعذاله فيه : لو زلت له قدم فقد ثبتت الأخرى، وقد أخبره بالجنة .

 وكان يستنشد الإمام عليه السلام شعره ويحتفل به وقد أنشده إياه فضيل الرسان، وأبو هارون المكفوف، والسيد نفسه، روى أبو الفرج عن علي بن إسماعيل التميمي عن أبيه قال : كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام إذا استأذن آذنه السيد فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس فاستنشده فأنشد قوله :

أمرر على جدث الحسين * فقـــل لأعـــظـمه الزكيه

يا أعــظما لا زلــــت من * وطفاء (1) ساكبة رويه

فـــإذا مـــررت بـــقـــبره * فأطـــل به وقــف المطيه

وابك المطهـــر للمطهـر * والمطهـــرة النـــقـــيـــة

كبـــكـــاء معـــولــة أتت * يوما لواحدها المنيه(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وطف المطر : انهمر . يقال : سحابة وطفاء . أي مسترخية لكثرة مائها .

 (2) يوجد من القصيدة 23 بيتا .

 

 

 

/ صفحة 236 /

قال : فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالامساك فأمسك قال : فحدثت أبي بذلك لما انصرفت فقال لي : ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول :

فـــإذا مـــررت بـــقـــبره * فأطـــل به وقــف المطيه

فقلت : يا أبت ؟ وما يصنع ؟ قال : أو لا ينحر ؟ ! أو لا يقتل نفسه ؟ ! فثكلته أمه . [ الأغاني 7 ص 240 ] وهذه القصيدة أنشدها أبو هارون المكفوف الإمام الصادق عليه السلام.

روى شيخنا ابن قولويه في " الكامل " ص 33 و 44 عن أبي هارون قال : قال أبو عبد الله عليه السلام يا أبا هارون ؟ أنشدني في الحسين عليه السلام قال : فأنشدته فبكى فقال : أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة قال : فأنشدته :

أمرر على جدث الحسين * فقـــل لأعـــظـمه الزكيه

ثم قال : زدني . قال : فأنشدته القصيدة الأخرى .

 وفي لفظه الآخر : فأنشدته :

يا مـــريم قومي فاندبي مولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال : فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر . الحديث . ورواه شيخنا الصدوق في " ثواب الأعمال " .

 وهناك منامات صادقة تنم عن تزلف السيد عند النبي الأعظم صلى الله عليه وآله مرت جملة منها ص 221 - 224، وروى أبو الفرج عن إبراهيم بن هاشم العبدي إنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد :

أجـــد بآل فــاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إياها على آخرها وهو يسمع : قال : فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا فقال لي : والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وبين يديه رجل ينشد : أجد بآل فاطمة البكور إلى آخرها فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده .

 [ الأغاني 7 ص 246 ] هذه مكرمة للسيد تشف عن عظمة محله، وحسن عقيدته، وخلوص نيته،

 

 

/ صفحة 237 /

وسلامة مذهبه، وطهارة ضميره، وصدق موقفه .

 ومهما عرف أعلام الأمة مسيس حاجة المجتمع إلى سرد تأريخ مثل السيد من رجالات الفضيلة سلفا وخلفا، أفرد جمع منهم تآليف في أخبار السيد وشعره فمنهم : 1 - أبو أحمد عبد العزيز الجلودي الأزدي البصري المتوفى 302 .

 2 - الشيخ صالح بن محمد الصراي شيخ أبي الحسن الجندي .

 3 - أبو بكر محمد بن يحيى الكاتب الصولي المتوفى 335 .

 4 - أبو بشر أحمد بن إبراهيم العمي البصري، ذكر له شيخ الطايفة في فهرسته ص 30 : كتاب أخبار السيد وشعره، وفي معجم الأدباء 2 ص 226 : كتاب أخبار السيد، ويظهر من رجال النجاشي ص 70 ومعالم العلماء أنه ألف كتابا في أخباره وكتابا في شعره 5 - أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون شيخ النجاشي .

 6 - أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 378، له كتاب " أخبار السيد " وقفنا على بعض أجزاءه وهو جزء من كتابه " أخبار الشعراء " المشهورين المكثرين في عشرة آلاف ورقة كما في فهرست ابن النديم .

 7 - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عياش الجوهري المتوفى 401 .

 8 - إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي .

 9 - المستشرق الفرنسوي [ بربيه دي مينار ] جمع أخباره في مائة صحيفة طبعت في پاريس فهرست النجاشي ص 53، 63، 64، 70، 141، 171، فهرست ابن النديم ص 215، فهرست شيخ الطائفة ص 30، معالم العلماء ص 16، الأعلام 1 ص 112 .

 * (الثناء على أدبه وشعره) *: كان السيد في مقدمي المكثرين المجيدين وأحد الشعراء الثلاثة الذين عدوا أكثر الناس شعرا في الجاهلية والاسلام وهم : السيد . وبشار . وأبو العتاهية .

 قال أبو الفرج : لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع . وقال المرزباني : لم يسمع أن أحدا عمل شعرا جيدا وأكثر غبر السيد، وروى عن عبد الله بن إسحاق الهاشمي قال : جمعت للسيد ألفي قصيدة وظننت إنه ما بقي علي شيء فكنت لا أزال

 

 

/ صفحة 238 /

أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت ثم نركت .

 وقال : سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين ؟ قال : السيد وبشار .

 ونقل عن الحسين بن الضحاك أنه قال : ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موته وأنا أحفظ الناس بشعر بشار والسيد فأنشدته قصيدته المذهبة التي أولها(1):

أيـــن التطـــــرب بالـولاء وبالهـوى * أإلــى الكواذب من بروق الخلب؟؟!!

أإلى أميــــة أم إلــــى شيـــــع التي * جاءت على الجمل الخدب الشوقب؟!

حتى أتى على آخرها، فقال لي مروان : ما سمعت قط شعرا أكثر معاني وألخص منه وعدد ما فيه من الفصاحة .

 وكان يقول لكل بيت منها : سبحان الله، ما أعجب هذا الكلام ؟ .

 وروى عن التوزي أنه قال : لو أن شعرا يستحق أن لا ينشد إلا في المساجد لحسنه لكان هذا، ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لأتى حسنا ولحاز أجرا .

 وقال أبو الفرج : كان شاعرا متقدما مطبوعا، وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه .

 وروي عن ليطة بن الفرزدق قال : تذاكرنا الشعراء عند أبي فقال : إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شيء.

 فسألناه من هما ؟ فقال : السيد الحميري، وعمران بن حطان السدوسي، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه . الأغاني 7 ص 231 .

 وعن التوزي قال : رأى الأصمعي جزءا فيه من شعر السيد فقال لمن هذا ؟ فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم علي أن أخبره فأخبرته فقال : أنشدني قصيدة منه فأنشدته قصيدة ثم أخرى وهو يستزيدني ثم قال : قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته .

 وفي لفظه الآخر : لما تقدمه من طبقته أحد .

 وعن أبي عبيدة أنه قال : أشعر المحدثين : السيد الحميري وبشار (الأغاني 7 ص 232، 236) .

 وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر فأقبل عليه وقال :

أيها المادح العباد ليعطى * إن لله ما بأيـــدي العــباد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مر أول القصيدة ص 213 والبيتان هما البيت الخامس عشر والسادس عشر منها .

 

 

 

/ صفحة 239 /

فأسئل الله ما طـــلبت إليهــــم * وارج نفــــع المنـــزل العواد

لا تقل في الجواد ما ليس فيه * وتسمي البخيل باسم الجــواد

قال بشار . من هذا ؟ فعرفه . فقال : لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا (الأغاني 7 ص 237) وعن غانم الوراق قال : خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن نعيم فجلسوا إلي فأنشدتهم للسيد:

أتعــــرف رسمــــا بالثــويين قد دثـر؟ * عفــــتــه أهاضيب السحـــائب والمطر

وجــــرت بــــه الأذيــــال ريحان خـلفه * صـــبا ودبـور بالعــــشيات والبــــكــــر

منــــازل قــــد كــــانت تكــــون بجـوها * هضيم الحشاريا الشوى سحرها النظر

قطــــوف الخــــطا خمصانـــــة بخترية * كــــأن محيــــاها سنــــا دارة القــــمــر

رمتــــني ببعــــد بعــــد قرب بها النوى * فبانت ولما أقــــض من عـــندها الوطر

ولما رأتــــني خــــشية البين موجــــعا * أكفكــــف منــــي أدمعــــا بـــيضها درر

أشــــارت بأطــــراف إلــــي ودمعــــها * كنــــظم جــــمان خانه السلــــك فانتــثر

وقــــد كنت مما أحــــدث البـــين حاذرا * فلم يغــــن عــــني منــــه خوفي والحذر

قال : فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون وقالوا : لمن هذا ؟ فأعلمتهم . فقالوا : هو والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله (الأغاني 7 ص 238) عن الزبير بن بكار قال : سمعت عمي يقول : لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها :

إن يــــوم التطهيـــر يوم عظيم * خص بالفضل فيه أهل الكساء

قرأت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عبناه، وروي عن الحسين بن ثابت قال : قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشئ من شعره فأنشد في معناه للسيد حتى أكثرت فقال لي : ويحك من هذا : هو والله أشعر من صاحبنا (الأغاني 7 ص 239) .

 ويروى عن إسحاق بن محمد قال : سمعت العتبي (1) يقول : ليس في عصرنا هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله الأموي الشاعر البصري المتوفى 228 ينسب إلى جده عتبة ابن أبي سفيان .

 

 

 

/ صفحة 240 /

أحسن مذهبا في شعره، ولا أنقى ألفاظا من السيد، ثم قال لبعض من حضر : أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم فأنشده قوله :

هـــل عـــند مـــن أحبـــبت تـنويل * أم لا ؟ فـــإن اللـــوم تضلـــيـــــل

أم في الحشى منك جوى باطن؟! * ليـــس تـــداويــه الأبـــاطـــيــــــل

عـــلقت يا مغـــرور خـــــداعـــة * بالوعـــد منهـــا لـــك تـــخـــيـــيل

ريـــا رداح النـــوم خـــمصانــــة * كـــأنهـــا إدمـــاء عـــطـــبــــــول

يشفـــيـــك منهـــا حـين تخلو بها * ضـــم إلـــي النـــحـــر وتـــقبــيل

وذوق ريـــق طـــيـــب طـــعـــمه * كـــأنه بـــالمســـك مـــعـــلـــــول

فـــي نســـوة مثـــل المهـــا خرد * تضيـــق عـــنهـــن الخـــلاخـــيـل

يقـــول فيـها : أقسم بالله وآلائه * والمـــرء عـــمـــا قـــال مســئول

إن عـــلـــي بـــن أبـــي طـــالـب * عـــلى التـــقى والبــر مجبول(1)

فقال العتبي : أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب [ الأغاني 7 ص 247 ] .

 وقبل هذه كلها حسبه ثناءا عليه قول الإمام الصادق عليه السلام : أنت سيد الشعراء . فينم عن مكانته الرفيعة في الأدب، يقصر الوصف عن استكناهها، ولا يدرك البيان مداها . فكان يعد من شعراءه عليه السلام وولده الطاهر الكاظم كما في " نور الأبصار " للشبلنجي .

 إكثاره في آل الله :

كان السيد بعيد المنزعة، ولعا بإعادة السهم إلى النزعة، وقد أشف وفاق كثيرين من الشعراء بالجد والاجتهاد في الدعاية إلى مبدءه القويم، والاكثار في مدح العترة الطاهرة، وساد الشعراء ببذل النفس والنفيس في تقوية روح الإيمان في المجتمع و إحياء ميت القلوب ببث فضايل آل الله، ونشر مثالب مناوئيهم ومساوي أعداءهم قائلا :

أيـــا رب إني لم أرد بالـــذي به * مدحت عليا غير وجهك فارحم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تأتي بقية القصيدة في ذكر أخبار المترجم له وملحه .

 

 

 

/ صفحة 241 /

وصدق بشعره رؤياه التي رواها عنه أبو الفرج والمرزباني في أخباره أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء فقال : أتدري لمن هذا النخل ؟ ! قلت : لا يا رسول الله ؟ قال : لامرئ القيس بن حجر فاقلعها واغرسها في هذه الأرض . ففعلت . وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه .

 فقال : أتقول الشعر ؟ قلت : لا .

 قال : أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرئ القيس إلا أنك تقول في قوم بررة أطهار .

 وكان كما قال أبو الفرج لا يخلو شعره من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم .

 وروى عن الموصلي عن عمه قال : جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة فسمعني أنشد شيئا من شعره فأنشدني به ثلاث قصايد لم تكن عندي فقلت في نفسي : لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجبا فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله . الأغاني 7 ص 236، 237 .

 قال أبو الفرج كان السيد يأتي الأعمش سليمان بن مهران - الكوفي المتوفى 148 - فيكتب عنه فضايل علي أمير المؤمنين سلام الله عليه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة قد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة ثم قال : يا معشر الكوفيين ؟ من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي .

 فجعلوا يحدثونه و ينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال : إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وإنساب فدخل جحرا فلبس علي عليه السلام الخف .

 قال : ولم يكن قال في ذلك شيئا ففكر هنيهة ثم قال :

ألا يا قوم للعجب العـــجاب * لخف أبي الحسين وللحباب

م عدو من عداة الجن وغد * بعيد في المرادة من صواب

 

 

/ صفحة 242 /

أتى خــــفا لــــه وانســــاب فيه * لينهــــش رجــــله منــــه بنـاب

م لينهش خير من ركب المطايا * أميــــر المــــؤمنين أبا تـــراب

فخــــر من السماء لــــه عقاب * مــــن العــقبان أو شبه العقاب

فطــــار به فحــــلق ثـــم أهوى * بــــه للأرض من دون السحاب

م فصك بخــــفه وانســـاب منه * وولــــى هــــاربا حـذر الحصاب

إلى جحــــر له فــــانساب فيــه * بعــــيد القعــــر لــــم يـرتج بباب

كــريه الوجه أسود ذو بصيص * حــــديد النــــاب أزرق ذو لعـاب

م يهــــل لــــه الجــــري إذا رآه * حــــثيــــث الشـد محذور الوثاب

م تأخــــر حــــينه ولقــــد رمــاه * فــــأخــــطــــاه بــــأحجار صلاب

ودوفــــع عــــن أبي حسن علي * نقــــيع سمامــه بعد انسياب(1)

قال المرزبناني : ثم حرك فرسه وثناها وأعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر وقال : إني لم أكن قلت في هذا شيئا . وذكر المرزباني عن تشبيبها أحد عشر بيتا لم يرو أبو الفرج إلا مستهلها:

صبــوت إلى سليمى والرباب * وما لأخي المشيب وللتصابي

قال أبو الفرج : أما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال : حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال : حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزغل المرادي قال : قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه . وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله .

 وقال ابن المعتز في طبقاته ص 7 : كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر، وكان يمله الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمد صلوات الله عليهم، و لم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم روى أبو الفرج عن الحسن بن علي بن حرب بن أبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الأغاني 7 ص 257 غير أن الأبيات المرموزة أخذناها عن أخبار السيد للمرزباني .

 

 

 

/ صفحة 243 /

الأسود الدؤلي قال : كنا جلوسا عند أبي عمرو ابن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا : يا أبا هاشم مم القيام ؟ فقال :

إنـــي لأكـــره أن أطيـــل بمجلس * لا ذكـــر فيـــه لفــــضل آل محمد

لا ذكـــر فيــــه لأحــــمد ووصيـه * وبنيه ذلك مجلس نطف ردي(1)

إن الـــذي ينســـاهم فــي مجلس * حـــتى يفارقـــه لغـــير مـــســـدد

وكان إذا استشهد شيئا من شعره لم يبدأ بشئ إلا بقوله :

أجـــد بآل فــاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير

الأغاني 7 ص 246 - 266 .

رواة شعره وحفاظه :

1 - أبو داود سليمان بن سفيان المسترق الكوفي المنشد المتوفى سنة 230 عن 70 عاما، كان راوية شعره كما في " الأغاني " و " فهرست " الكشي ص 205 .

 2 - إسماعيل بن الساحر كان راويته كما في " الأغاني " في غير موضع .

 3 - أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 111، كان يروي شعره كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437 .

 4 - السدري كان راويته كما في طبقات ابن المعتز ص 7 .

 5 - محمد بن زكريا الغلابي الجوهري البصري المتوفى 298، كان يحفظ شعر السيد ويقرأه على العباسة بنت السيد ويصححه عليها كما في " أخبار السيد " للمرزباني .

 6 - جعفر بن سليمان الضبعي البصري المتوفى 178، كان ينشد شعر السيد كثيرا فمن أنكره عليه لم يحدثه كما في " الأغاني " و " لسان الميزان " 1 ص 437 .

 7 - يزيد بن محمد بن عمر بن مذعور التميمي كان يروي للسيد ويعاشره كما في " أخبار السيد " للمرزباني وقال أبو الفرج : كان يحفظ شعر السيد وينشده لأبي بجير الأسدي .

 8 - فضيل بن الزبير الرسان الكوفي، كان ينشد شعر السيد وقد أنشده للإمام الصادق عليه السلام وقد مر بعض حديثه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) النطف : النجس .

 

 

 

/ صفحة 244 /

9 - الحسين بن الضحاك قال المرزباني : كان أحفظ الناس بشعره .

 10 - الحسين بن ثابت كان يروي كثيرا من شعره .

 11 - العباسة بنت السيد، كانت حافظة لشعر أبيها وكانت الرواة يقرأون عليها شعر السيد وتصححه لهم كما ذكره المرزباني في " أخبار السيد " .

 وكانت للسيد كريمتان أخرى تحفظان شعره وفي بعض المعاجم كانت كل واحدة تحفظ ثلثمائة قصيدة وقال ابن المعتز في " طبقات الشعراء " ص 8 : حكي عن السدري أنه قال : كان له أربع بنات وإنه كان حفظ كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره 12 - عبد الله بن إسحاق الهاشمي، جمع شعره كما مر عن المرزباني .

 13 - عم الموصلي جمع شعره في بني هاشم كما مر عن الأغاني .

 14 - الحافظ أبو الحسن الدار قطني علي بن عمر المتوفى 385 كان يحفظ ديوان السيد كما في تاريخي الخطيب البغدادي 2 ص 35، وابن خلكان 1 ص 359، وتذكرة الحفاظ 3 ص 200 .

مذهبه وكلمات الأعلام حوله :

عاش السيد ردحا من الزمن على الكيسانية (1) يقول بإمامة محمد بن الحنفية وغيبته وله في ذلك شعر ثم أدركته سعادة ببركة الإمام الصادق صلوات الله عليه وشاهد منه حججه القوية وعرف الحق ونبذ ما كان عليه من سفاسف الكيسانية عندما نزل الإمام عليه السلام الكوفة عند منصرفه من عند المنصور أو ملاقاته إياه في الحج .

 ولعبد الله بن المعتز المتوفى 296، وشيخ الأمة الصدوق المتوفى 381، والحافظ المرزباني المتوفى 384، وشيخنا المفيد المتوفى 412، وأبي عمرو الكشي، والسروي المتوفى 588، والأربلي المتوفى 692 وغيرهم حول مذهبه كلمات ضافية يكتفى بواحدة منها في إثبات الحق فضلا عن جميعها .

 فإليك نصوصها .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هم أصحاب مختار بن أبي عبيد يقال في تسميتهم بذلك : إن المختار كان يلقب بكيسان مأخوذا مما رواه الكشي في رجاله ص 84 من قول أمير المؤمنين عليه السلام له : يا كيس يا كيس وقيل : إن كيسان اسم صاحب شرطته ويكنى بأبي عمرة كما في رجال الكشي والفصل لابن حزم .

 وقيل : إن كيسان هو مولى أمير المؤمنين وهو الذي حمل المختار على الطلب بدم الحسين السبط عليه السلام ودل على قتلته وكان صاحب سره والغالب على أمره كما ذكره الكشي .

 

 

 

/ صفحة 245 /

1 - كلمة المعتز : قال في " طبقات الشعراء " ص 7 : حدثني محمد بن عبد الله قال : قال السدري راوية السيد كان السيد أول زمانه كيسانيا يقول برجعة محمد بن الحنفية وأنشدني في ذلك :

حتى متى ؟ وإلى متى ؟ ومتى المدى * يا بن الـــوصي وأنـــت حي ترزق ؟ !

والقصيدة مشهورة. وحدثني محمد بن عبد الله قال : قال السدري : ما زال السيد يقول بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام بمكة أيام الحج فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق :

تجعـــفرت باســــم الله والله أكبر * وأيـقـــنت أن الله يعــفــو ويغــفـر

ويثـــبت مهما شـــاء ربـي بأمره * ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر

2 - كلمة الصدوق : قال في " كمال الدين " ص 20 : فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية فسأله عن الغيبة فذكر له أنها حق و لكنها تقع بالثاني عشر من الأئمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وإن أباه محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام شاهد دفنه فرجع السيد عن مقالته، و استغفر من اعتقاده، ورجع إلى الحق عند اتضاحه له ودان بالإمامة .

 حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال : حدثنا حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال : سمعت السيد ابن محمد الحميري يقول : كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية قد ظللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها (1) منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه، وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته، وأوجب الاقتداء به فقلت له : يا بن رسول الله قد روى لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام : إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ستقف على بعض تلكم الدلائل .

 

 

 

/ صفحة 246 /

صلى الله عليه وآله، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت جورا وظلما .

 قال السيد : فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أولها :

ولما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعـــفرت باسم الله فـــيمن تجعفروا

ونـــاديت بـــاسم الله والله أكـــبـــــــر * وأيقـــنـت أن الله يعـــفـــو ويغـــفـــر

ودنـــت بـــدين غـــير مـــا كنــت داينا * به ونهانـــي سيـــد النـــاس جعــــفر

فـــقـــلت : فهبـــني قــد تهودت برهة * وإلا فـــديني ديـــن مـــن يـتـــنصـــر

وإنـــي إلى الرحـــمن من ذاك تــائب * وإنـــي قـــد أسـلمـــت والله أكـــبـــر

فلســـت بغـــال مـــا حيـــيت وراجــع * إلى ما عليه كنـــت أخـــفي وأضمـر

ولا قـــائلا حي برضـــوى محمد (1) * وإن عاب جهـــال مقـــالي فـــاكثروا

ولكـــنه مــــما مضـــى لسبـــيـــلـــه * على أفضل الحـــالات يقـــفى ويخــبر

مع الطيبين الطـــاهـرين الأولى لهم * من المصطفى فـــرع زكـــي وعنصر

إلى آخر القصيدة وهي طويلة وقلت بعد ذلك قصيدة أخرى:

أيا راكـــبا نحـــو المديـــنـــة جسرة * عذافرة يطـــوى بها كـــل سبب (2)

إذا مـــا هـــداك الله عـــاينت جعفرا * فقـــل لـــولي الله وابــــن المهـــذب

: ألا يـــا أمين الله وابـــن أمـــينــه * أتوب إلى الرحـــمن ثـــم تـــأوبــــي

إليـــك مـــن الأمر الذي كنت مطنبا * أحـــارب فـــيه جـــاهـدا كـــل معرب

وما كان قولي في ابن خولة مبطنا * معـــاندة منـــي لنســـل المطـــــيـــب

ولكـــن رويـــنا عـــن وصي محمد * وما كـــان فيـــما قــــــال بالمتـــكذب

بأن ولـــي الأمر يفـــقـــد لا يـــرى * ستيرا (3) كفعـــل الخــائف المترقب

فيـــقســـم أمـــوال الفـــقيـــد كأنما * تعـــيـبه بـــين الصفـــيح المـــنصـــب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في لفظ ابن شهر آشوب : ولا قائلا قولا بكيسان بعدها .

 (2) الجسرة : العظيمة من الإبل . والعذافرة : الشديدة منها .

 (3) في لفظ المرزباني والمفيد : سنين .

 

 

 

/ صفحة 247 /

فيمكـــث حـــينا ثـــم ينـــبع نبعــــة * كنبعــة جدي من الأفق كوكب (1)

يسيـــر بنصـــر الله مـــن بيت ربه * عـــلى ســـودد منـــه وأمـر مسبب

يسيــــر إلـــى أعـــدائه بلـــوائـــه * فيـــقتلهم قتلا كحـــران مغـــضـــب

فلما روي أن ابـــن خـــولة غايب * صرفنـــا إليـــه قـــولنا لـــم نـــكذب

وقـــلنا هـــو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجـدب (2)

فـــإن قلــت لا فالحق قولك والذي * أمرت فحتـــم غـــير مـــا معــتصب

وأشهد ربـــي أن قـــولك حـــجـــة * على الخلق طرا من مطيع ومـذنب

بأن ولـــي الأمـر والقائـــم الـــذي * تطـلع نفـــسي نحـــوه بـــتـــطـــرب

له غـــيبة لا بـــد من أن يغيـــبهــا * فصلـــى عـــليه الله مـــن متغـــيب

فيمكث حينـــا ثـــم يظهـــر حيـــنـه * فيملأ عـــدلا كـــل شـــرق ومغـرب

بـــذاك أميـــن الله ســـرا وجـــهرة * ولست وإن عـــوتبـــت فـيه بمعتب

وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية، ورواه الأربلي في كشف الغمة.

 3 - كلمة المرزباني : قال في أخبار السيد : كان السيد ابن محمد رحمه الله بلا شك كيسانيا يذهب أن محمد بن الحنفية رضي الله عنه هو القائم المهدي وإنه مقيم في جبال رضوى وشعره في ذلك يدل على أنه كان كما ذكرنا كيسانيا فمن قوله:

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يـــرى * وبنا إليـــه مـــن الصبـــابة أولق(3)

حتى متى ؟ وإلي متى ؟ وكــم المدى * يا بن الـــوصي وأنـــت حـــي ترزق؟

إنـــي لآمـــــــــــل أن أراك وإنـــنـــي * مـــن أن أمـــوت ولا أراك لأفـــــرق

غير أنه رحمه الله رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق عليه السلام وقال :

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعـــفو ويغفر

ومن زعم إن السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه، وطاعن فيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وفي رواية المرزباني :

ويمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل إشراق كوكب

 (2) في رواية الحافظ المرزباني : يعيش بجدوى عدله كل مجدب .

 م (3) الأولق : الجنون أو مس منه) .

 

 

 

/ صفحة 248 /

ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك دعاء الصادق له عليه السلام وثناؤه عليه فمن ذلك ما أخبرنا به محمد بن يحيى قال : حدثنا أبو العينا قال : حدثني علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال : قيل لأبي عبد الله عليه السلام وذكر عنده السيد : بأنه ينال من الشراب .

 فقال عليه السلام : إن كان السيد زلت به قدم فقد ثبتت له أخرى .

 (وبإسناده) عن عباد بن صهيب قال : كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر السيد فدعا له فقال له : يا بن رسول الله أتدعو له وهو يشرب الخمر، ويشتم أبا بكر وعمر، ويوقن بالرجعة ؟ ! فقال : حدثني أبي عن أبيه علي بن الحسين أن محبي آل محمد صلى الله عليه وآله لا يموتون إلا تائبين .

 وإنه قد تاب ثم رفع رأسه وأخرج من مصلى عليه كتابا من السيد يتوب فيه مما كان عليه (1) وفي آخر الكتاب:

يا راكبا نحو المدينة جسرة * (إلى آخر الأبيات كما مرت)

و (روى بإسناده) عن خلف الحادي قال : قدم السيد من الأهواز بمال ورقيق وكراع فجئته مهنئا له فقال : إن أبا بجير (2) إمامي وكان يعيرني بمذهبي ويأمل مني تحولا إلى مذهبه فكتبت أقول له : قد انتقلت إليه، وقلت :

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * وذكر الأبيات إلى آخرها

كما مرت ثم قال : فقال له أبو بجير يوما : لو كان مذهبك الإمامة لقلت فيها شعرا . فأنشدته هذه القصيدة فسجد وقال : الحمد لله الذي لم يذهب حبي لك باطلا . ثم أمر لي بما ترى . وروى بإسناده عن خلف الحادي قال : قلت للسيد : ما معنى قولك ؟

عجـــبت لكر صروف الزمان * وأمـــر أبـــي خـالد ذي البيان

ومـــن رده الأمر لا ينـــثـــني * إلى الطيب الطهر نور الجنان

علي ومـــا كـــان مـــن عمه * بـــرد الإمامـــة عـطف العنان

وتحكيمـــه حــجـــرا أســـودا * ومـــا كان من نطقه المستبان

بتسليـــم عـــم بغــــير امتراء * إلـــى ابـــن أخ منطقا باللسان

شهـــدت بـــذلك صدقا كـــمـــا * شهـــدت بتصـــديق آي القرآن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في الأغاني 7 ص 277 : أخرج كتابا من السيد يعرفه فيه : إنه قد تاب ويسأله الدعاء له .

 (2) هو أبو بجير عبد الله بن النجاشي الأسدي والي الأهواز للمنصور .

 

 

 

/ صفحة 249 /

عـــلــي إمامي لا أمتري * وخليت قولي بكان وكان

قال لي : كان حدثني علي بن شجرة عن أبي بجير عن الصادق أبي عبد الله عليه السلام : إن أبا خالد الكابلي كان يقول بإمامة ابن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين فيقول : يا سيدي فقال أبو خالد : أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله ؟ فقال : إنه حاكمني إلى الحجر الأسود وزعم أنه ينطقه فصرت معه إليه فسمعت الحجر يقول : يا محمد ؟ سلم الأمر إلى ابن أخيك فإنه أحق منك . فقلت شعري هذا، قال : وصار أبو خالد الكابلي إماميا . قال : فسألت بعض الإمامية عن هذا، فقال لي : ليس بإمامي من لا يعرف هذا . فقلت : للسيد : فأنت على هذا المذهب أو على ما أعرف؟!؟! فأنشدني بيت عقيل بن علفة:

خذا جنب هرشى (1) أوقفاه فإنه * كلا جـــانبي هــــرشى لهن طريق

ومما رواه المرزباني له في مذهبه قوله :

صــــح قولي بالإمــامه * وتعجــــلــــت السلامـه

وأزال الله عــــنـــــــــي * إذ تجعــــفرت الملامـة

قلــــت مــن بعد حسين * بعــــلي ذي العــــلامـه

أصبح السجاد للإسلام * والـــــديــــن دعـــــامه

قــــد أراني الله أمــــرا * أســــأل الله تــــمامـــه

كــــي الاقــــيه بــه في * وقــــت أهـوال القيامة

4 - كلمة المفيد : قال في " الفصول المختارة " ص 93 : وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وتبرأ منه ودان بالحق، لأن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذهب الكيسانية قوله:

ألا حي مقيم شعب رضوى * وأهد له بمنزله السلاما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة وله طريقان يفضيان إلى موضع واحد .

 

 

 

/ صفحة 250 /

إلى أن قال:

وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية :

تجعفرت باسم الله والله أكـبر * وأيقـــنت أن الله يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت داينا * .....................................

[ إلى آخر ما مر باختلاف يسير ].

وقال في " الارشاد " : فصل وفيه (يعني الإمام الصادق) يقول السيد إسماعيل ابن محمد الحميري رحمه الله وقد رجع عن قوله بمذهب الكيسانية لما بلغه إنكار أبي عبد الله عليه السلام مقاله ودعاؤه له إلي القول بنظام الإمامة:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بهاكل سبسب

وذكر منها 13 بيتا ثم قال : وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيد عن مذهب الكيسانية وقوله بإمامة الصادق عليه السلام ووجوه الدعوة ظاهرة من الشيعة في أيام أبي عبد الله إلى إمامته والقول بغيبة صاحب الزمان وإنها إحدى علاماته، وهو صريح قول الإمامية الاثنى عشرية .

 5 - كلمة ابن شهر آشوب : روى في " المناقب " 2 ص 323 عن داود الرقي قال : بلغ السيد الحميري : إنه ذكر عند الصادق عليه السلام فقال : السيد كافر .

 فأتاه وسأل يا سيدي ؟ أنا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي الناس فيكم ؟ قال : وما ينفعك ذاك وأنت كافر بحجة الدهر والزمان ؟ ! ثم أخذ بيده وأدخله بيتا فإذا في البيت قبر فصلى ركعتين ثم ضرب بيده على القبر فصار القبر قطعا فخرج شخص من قبره ينفض التراب عن رأسه ولحيته، فقال له الصادق : من أنت ؟ قال : أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية .

 فقال : فمن أنا ؟ فقال جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان (1) فخرج السيد يقول : تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا ...

 وفي (أخبار السيد) : إنه ناظر معه مؤمن الطاق في ابن الحنفية فغلبه عليه فقال :

تركت ابن خولة لاعن قلى * وإني لكالكـــلف الوامـق

وإني له حافظ في المغيب * أدين بمـا دان في الصادق

هو الحبر حبر بني هـاشم * ونـــور من الملك الرازق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه من علامات الإمامة التي مر الايعاز إليها في كلمة الصدوق .

 

 

 

/ صفحة 251 /

به ينعــــش الله جمع العباد * ويجري البلاغة في الناطق

أتاني بــــرهانه معــــلنـــــا * فــــدنت ولــــم أك كــالمائق

كمـــن صد بعد بيان الهدى * إلــــى حبتر وأبي حــــــامق

فقال الطائي : أحسنت الآن أتيت رشدك . وبلغت أشدك . وتبوأت من الخير موضعا ومن الجنة مقعدا . وأنشأ السيد يقول :

تجعفرت باسم الله والله أكبر * .................

 ذكر منها خمسة أبيات ثم ذكر من بائيته المذكورة ستة أبيات فقال : وأنشد فيه (يعني الصادق عليه السلام):

أمــــدح أبا عــبــــد الإلـــه * فـــتى البرية في احتمالـــه

سبــــط النــــبي محـــــمـــد * حــــبــــل تفـــرع من حباله

تغــــشى العيون الناظرات * إذا سمــــون إلــى جــــلاله

عــــذب الموارد بحــــسره * يروي الخلايـق من سجالـه

بحــــر أطل عـــلى البحور * يمدهــــن نـدى بــلالــــه(1)

سقــــت العــــباد يميــــنــه * وسقـى البلاد نــــدى شماله

يحــــكي السحــــاب يميـنه * والــــودق يخـرج من خلاله

الأرض مــيــــراث لــــــــه * والنــــاس طــــرا في عياله

يا حجــــة الله الجــــليـــــل * وعــــينه وزعــــيــــم آلــــه

وابــــن الوصي المصطفى * وشبــــيه أحــــمد في كماله

أنــــت ابن بنــــت محــــمد * حــــذوا خلــــقت على مثاله

فضيــــاء نــــورك نــــوره * وظــــلال روحــك من ظلاله

فيـــك الخلاص عن الردى * وبك الهــــداية من ضلالــه

أئــــني ولــــست بــــبالــــغ * عشر الفريدة مــن خصاله

6 - كلمة الأربلي : قال في " كشف الغمة " ص 124 : السيد الحميري رحمه الله كان كيسانيا يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرفه الإمام جعفر بن محمد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا في النسخة وأحسبه : نواله .

 

 

 

/ صفحة 252 /

الصادق عليهما السلام الحق والقول بمذهب الإمامية الاثنى عشرية ترك ما كان عليه و رجع إلى الحق وقال به، وشعره رحمه الله في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره .

 وينبأك عن مذهبه الحق الصحيح قوله :

عــلـــــــى آل الـــــرسول وأقربــــيه * ســـلام كـــلمـــا سجـــع الحـــمــــــام

أليـــسوا في السماء هـــم نجـــوم ؟ * وهــــــم أعـــــــــلام عـــز لا يــــــرام

فيـــا مـــن قـــد تحـــير فـــي ضــلال * أميـــر المـــؤمنيــن هــــــو الإمــــــام

رســـول الله يـــوم [ غـــدير خــــم ] * أنـــاف بـــه وقـــد حـــضـــر الأنــــــام

وثانـــي أمـــره الحـــسن المـــرجى * لـــه بـــيـــت المـــشاعـــر والمـــقـــام

وثالثـــه الحـــسين فـــليـــس يخـفى * سنـــا بـــدر إذا اختـــلـــط الـــظــــــلام

ورابعهـــم عـــلـــي ذو المســـاعـي * بـــه للـــديـــن والـــدنـــيـــا قـــــــــوام

وخـــامسهم محـــمــد ارتـــضــــــاه * لـــه فـــي المـــأثـــرات إذن مـــقـــــام

وجعـــفـــر ســـادس النجـــبــاء بدر * بـــبهجـــتـــه زهـــا البـــدر التـــمــــام

ومـــوسى ســـابـــع ولـــه مـــقـــام * تـــقـــاصـــر عـــن أدانـــيـــه الـــكرام

عـــلي ثـــامن والقـــبـــر مـــنــــــه * بـــأرض الطوس إن قحطوا رهام (1)

وتاســـعهم طـــريد بـــني البـــغــايا * محـــمد الـــزكـــــي لــــــه حــــــســـام

وعـــاشـــرهـــم عــلي وهو حصن * يحـــن لفـــقـــده البلـــد الــــــحــــــــرام

وحـــادي العـــشر مصباح المعالي * منـــير الـــضوء الحـــســـن الهـــمـــام

وثـــانـــي العـــشـــر حان له القيام * محـــمــد الـــزكـــي بـــه اعـــتصــــــام

أولئـــك فـــي الجــنان بهم مساغي * وجـــيـــرتي الخـــوامــــــس والســـلام

نقد أو إصحار بالحقيقة :

قال الدكتور طه حسين المصري في - ذكرى أبي العلاء - ص 358 : التناسخ معروف عند العرب منذ أواخر القرن الأول والشيعة تدين به وببعض المذاهب التي تقرب منه كالحلول والرجعة، وليس بين أهل الأدب من يجهل ما كان من سخافات الحميري وكثير في ذلك . ا ه‍

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الرهمة : المطر الخفيف الدائم ج رهم ورهام .

 

 

 

/ صفحة 253 /

كنت لا أعجب لو كان هذا العزو المختلق صادرا ممن تقدم طه حسين من بسطاء الأعصر الخرافية الذين قالوا وهم لا يشعرون، وجمعوا من غير تمييز، وألفوا لا عن تنقيب، وعزوا من دون دراية .

 لكن عجبي كله من مثل هذا الذي يرى نفسه منقبا ويحسبه فذا من أفذاذ هذا العصر الذهبي، عصر النور، عصر البحث والتنقيب الذي مني بمثل هذا الدكتور وأمثال من جمال مستنوقة (1) يسرون حسوا في ارتغاء (2) يريدون أن يفخذوا أمة كبيرة تعد بالملايين عن الأمة الإسلامية بنسبة الالحاد إليهم من تناسخ وحلول، فتلعن هؤلاء أولئك لاعتقادهم بكفرهم، وتغضب أولئك على هؤلاء عندما يقفون على مثل هذا الإفك الشائن، فيقع ما لا تحمد مغبته من شق العصا وتفريق الكلمة، وذلك منية من قيض طه " حسين " لمثل هذا المعرة وأثابه عليها .

 ألم يسائل هذا الرجل باحث عن مصدر هاتين الفريتين ؟ ! هل قرأهما في كتاب من كتب الشيعة ؟ ! أم سمعهما عن شيعي ؟ ! أو بلغه الخبر عن عالم من علماء الإمامية ؟ ! وهؤلاء الشيعة وكتبهم منذ العصور المتقادمة حتى اليوم تحكم بكفر من يقول بالتناسخ والحلول وتدين بالبرائة منه، فهلا راجع الدكتور هاتيك الكتب قبل أن يرمي لا عن سدد ؟ ! وتخط يمينه لا عن رشد ؟ ! نعم سبقه في نسبة التناسخ إلى السيد ابن حزم الأندلسي في " الفصل " وقد عرفت ابن حزم ونزعاته في الجزء الأول ص 323 - 339 .

 وأما القول بالرجعة فليس من سنخ القول بالتناسخ والحلول وقد نطق بها الكتاب والسنة كما فصل في طيات الكتب الكلامية وتضمنته التآليف التي أفردها أعلام الإمامية فيها، وقد عرف من وقف على أخبار السيد وشعره وحجاجه برائته عن كل ما نبذه به من سخافة إن لم يكن الدكتور ممن يرى أن التهالك في موالاة أهل البيت ومودتهم ومدحهم والذب عنهم سخافة .

 حديثه مع من لم يتشيع :

لم يكن يرى السيد لمناوئي العترة الطاهرة صلوات الله عليهم حرمة وقدرا، وكان يشدد النكير عليهم في كل موقف ويلفظهم بألسنة حداد بكل حول وطول، و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مثل ساير .

 (2) مثل يضرب .

 

 

 

/ صفحة 254 /

له في ذلك أخبار منها : 1 - عن محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال : انحدر السيد الحميري في سفينة إلى الأهواز، فما رآه رجل في تفضيل علي عليه السلام وباهله على ذلك، فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيد فغرقه، فصاح الملاحون : غرق والله الرجل .

 فقال السيد : دعوه فإنه باهلي (1) 2 - إن السيد كان بالأهواز، فمرت به امرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل ابن عبد الله بن العباس ؟ وسمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها، فقال :

أتـتــــنا تــــزف على بغــلة * وفــــــوق رحــــــالـتـــهـــــا

قــبه زبيرية من بنات الذي * أحل الحرام من الكعبه (2)

تـــزف إلـــى ملك مــــــاجد * فـــلا اجـــتمعا وبها الوجبة

فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء فنهشتها أفعى فماتت فكان السيد يقول : لحقتها دعوتي .

 3 - عن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر قال : خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبة ومطرف وعمامة فجعل يجر مطرفه ويقول :

إهبط إلى الأرض فخذ جلمدا * ثم ارمهـــم يا مــزن بالجلمد

لا تسقهـــم مــــن سبل قطرة * فـــإنهم حـــــرب بــنــي أحمد

4 - حدثني أبو سليمان الناجي قال : جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو ولي عهد، فبدأ ببني هاشم بسائر قريش فجاء السيد فرفع إلى الربيع - حاجب المنصور - رقعة محتومة وقال : إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه .

 فأوصلها، فإذا فيها :

قل لابن عباس سمي محمد * لا تعـــطين بني عدي درهما

أحرم بني تيم بن مرة إنهــم * شر البــــرية آخــرا ومقدما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الظاهر : باهلني .

 (2) يعني عبد الله بن الزبير وقد تحصن بالبيت الحرام وقاتل به .

 

 

 

/ صفحة 255 /

إن تعطهم لا يشكروا لك نعـمة * ويكافئـــوك بـــأن تــذم وتشتما

وإن إئـــتمنتهم أو استعــملتهم * خـانوك واتخذوا خراجك مغنما

ولئـــن منعـــتهم لقـد بـــدءوكم * بالمنــع إذ ملكوا وكانـوا أظلما

منعـــوا تـــراث محـمد أعمامه * وابنيه وابنـــته عـــديلـة مريما

وتأمروا من غير أن يستخلفوا * وكــــفى بما فعلوا هنالك مأثما

لـــم يشكـــروا لمحـــمـد إنعامه * أفيشكرون لغيره إن أنعما ؟ !

والله مـــن عـــليهم بمحـــمــــد * وهداهم وكسا الجنوب وأطعما

ثم انـــبروا ؟ ؟ لــوصيه ووليه * بالمنكرات فجرعـــوه العـــلقما

قال : فرمى بها إلى أبي عبيد الله معاوية بن يسار الكاتب للمهدي ثم قال : اقطع العطاء . فقطعه، وانصرف الناس، ودخل السيد إليه، فلما رآه ضحك وقال : قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل ؟ ولم يعطهم شيئا .

 5 - عن سويد بن حمدان بن الحصين قال : كان السيد يختلف إلينا ويغشانا، فقام من عندنا ذات يوم فخلفه رجل وقال : لكم شرف وقدر عند السلطان فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف .

 فبلغ ذلك السيد فكتب إليه :

وصفت لك الحوض يا بن الحصين * عـــلـــى صفة الحارث الأعور (1)

فـــإن تـــســـق منـــه غــدا شربــة * تـــفـــز مـــن نصيـــبـــك بـــالأوفــر

فمـــالي ذنـــب ســـوى أنــــنــــــــي * ذكرت الــذي فـــر عـــن خـــيـــبـــر

ذكـــرت امـــرأ فـــر عـــن مــرحب * فـــــرار الحـــمار مـــن القـــســـور

فـــأنـــكر ذاك جـــلـــيـــــس لـــكـــم * زنـــيم أخـــو خـــلــــــق أعـــــــــور

لحـــاني بحـــب إمــام الـــهــــــــدى * وفـــاروق أمـــتـــنـــا الأكــــــبــــــر

ســــــأحـــلــــق لحيــــــتـــه إنــهـــا * شـــهــــــود عـــلـــى الزور والمنكر

قال : فهجر والله مشايخنا جميعا ذلك ولزموا محبة السيد ومجالسته. الأغاني 7 ص 250 - 254 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو الحارث الأعور الهمداني المتوفى سنة 65 من مقدمي أصحاب أمير المؤمنين يأتي ذكره في ترجمة والد شيخنا البهائي في شعراء القرن العاشر .

 

 

 

/ صفحة 256 /

6 - عن معاذ بن سعد الحميري قال : شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله عند سوار القاضي بشهادة، فقال له : ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد ؟ فقال : نعم . فقال له : كيف أقدمت على الشهادة عندي وأنا أعرف عداوتك للسلف ؟ فقال السيد : قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله وإنما هو شيء لزمني .

 ثم نهض فقال له : قم يا رافضي ؟ فوالله ما شهدت بحق .

 فخرج السيد رحمه الله وهو يقول :

أبوك ابن سارق عــــنز النبي * وأنـــــت ابن بنــــت أبي جحدر

ونحن على رغمك الرافضون * لأهـــل الضلالـــــة والمنــــكـر

ثم عمل شعرا وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في الرقاع بين يدي سوار .

 قال : فأخذ الرقعة سوار فلما وقف عليها وخرج إلى أبي جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الأكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى المنصور فأنشأ قصيدته التي يقول فيها(1):

يـــا أميـــن الله يـــا مـــن‍ * ـصـــور يا خـــير الولاة

إن ســـوار بـــن عبد الله * مـــن شـــر الـــقـــضـاة

نعثـــلي (2) جـــمـــلــــي * لـــكم غـــيـــر مـــواتـي

جــــــده ســـارق عـــنــز * فجـــرة مـــن فـــجــرات

لـــــــــــــــرســــــول الله * والقاذفة بالمنكرات (3)

والـــذي كـــــان ينـــادي * من وراء الحجرات (4)

يا هنـــاة اخـــرج إليـــنا * إنـــنـــا أهـــل هـــنـــــات

فـــاكفنيه لا كـــفـــاه الله * شــــــــر الطـــارقــــــات

ســـن فيـــنـا سننا كانت * مـــواريـــث الطـــغــــــاة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أولها :

قــــم بنا يا صاح وأربع * في المغاني الموحشات

 (2) قال الأستاذ العدوى في تعليقه على الأغاني 7 ص 261 : نعثل في الأصل : اسم رجل يهودي من أهل المدينة، وقيل : نعثل : رجل لحياني (طويل اللحية) من أهل مصر . كان يشبه به عثمان رضي الله عنه إذا نيل منه .

 (3) آخذنا هذا البيت من الأغاني 7 ص 261، والطبقات لابن المعتز ص 8 .

 (4) إشارة إلى نزول آية الحجرات في بني العنبر أجداد القاضي سوار .

 

 

 

/ صفحة 257 /

فهجـوناه ومن يهجو * يصب بالفاقرات (1)

قال : فضحك أبو جعفر المنصور وقال : نصبتك قاضيا فامدحه كما هجوته فأنشد رحمه الله يقول :

إنـــي امرؤ مـــن حـــمير أسرتي * بحـــيث تـــحـــوي ســـروها حمير

آليـــت لا أمــــــدح ذا نـــائــــــــل * لـــه سنـــاء ولـــه مـــفــــــخــــــر

إلا مــــــن الغـــر بـــنــــي هاشم * إن لهـــم عـــنـــدي يـــدا تـــشـــكر

إن لهم عـــنـــدي يـــدا شكرهـــا * حـــق وإن أنكـــرهــا مـــنـــكــــــر

يا أحـــمد الخـــيـــر الــذي إنـــما * كـــان عـــلـــيـــنـــا رحمة تـــنشـر

حمـــزة والطـــيار فـــي جــــنـــة * فحيـــث مـــا شـــاء دعـــا جعـــفـر

منهم وهـادينا الذي نحـــن مـــن * بعد عـــمانـــا فـــيه نـــستبـــصـــر

لما دجا الـــديـــن ورق الهـــدى * وجـــار أهـــل الأرض واستـكبروا

ذاك عـــلي بــــــن أبـــي طـــالب * ذاك الـــذي دانـــت لـــه خـــيـــبــر

دانــت ومـــا دانـــت لـــه عنـــوة * حـــتـــى تـــدهـــدا عـــرشه الأكبر

ويـــوم سلـــع إذ أتـــى عــــــاتبا * عمرو بـن عبد مـــصلتا يخـــطـــر

يخـــطـــــر بالسيـــف مدلا كـــما * يخطر فحـــل الصرمة الدوسر(2)

إذ جـــلل السيـــف عـــلى رأسه * أبـــيــض عضـــبا حـــده مـــبـــتـــر

فخـــر كــــالجـــذع وأوداجــــــه * ينـــصـــب مـــنها حـــلب أحـــمــــر

وكان أيضا مما جرى له مع سوار ما حدث به الحرث بن عبيد الله الربيعي، قال : كنت جالسا في مجلس المنصور وهو بالجسر الأكبر وسوار عنده والسيد ينشده :

إن الإلــــه الــــذي لا شيء يشبهـه * آتــــاكم الملــــك للــــدنيا وللــــدين

آتــــاكم الله ملكـــــا لا زوال لــــــه * حتى يقاد إليكــــم صاحــــب الصين

وصاحـــب الهند مأخــــوذ برمتــــه * وصاحب الترك محبوس على هون

حتى أتى القصيدة والمنصور يضحك فقال سوار : هذا والله يا أمير المؤمنين ؟ يعطيك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الفاقرة : الداهية الشديدة . هذا البيت أخذناه من طبقات ابن المعتز ص 7 .

 (2) الصرمة بالكسر : القطيعة من الإبل . الدوسر : الضخم الشديد .

  

 

 

/ صفحة 258 /

بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم لغيرك، وإنه لينطوي في عداوتكم .

 فقال السيد : والله إنه لكاذب وإنني في مديحكم لصادق، ولكنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي ومودتي لكم أهل البيت لعرق لي فيها عن أبوي، وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والاسلام، وقد أنزل الله عز وجل على نبيه عليه وآله السلام في أهل بيت هذا (1) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون .

 (سورة الحجرات 4) فقال المنصور : صدقت .

 فقال سوار : يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسب والوقيعة فيهما .

 فقال السيد : أما قوله : باني أقول بالرجعة فإن قولي في ذلك على ما قال الله تعالى : و يوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (سورة النمل 83) و قد قال في موضع آخر : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (سورة الكهف 47) فعلمت أن ها هنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص .

 وقال سبحانه : ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (سورة غافر 11) وقال الله تعالى : فأماته الله مائة عام ثم بعثه (سورة البقرة 259) وقال الله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (سورة البقرة 243) فهذا كتاب الله عز وجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يحشر المتكبرون في صور الذر يوم القيامة (2) وقال صلى الله عليه وآله : لم يجر في بني إسرائيل شيء إلا ويكون في أمتي مثله حتى المسخ والخسف و والقذف (3) وقال حذيفة : والله ما أبعد أن يمسخ الله كثيرا من هذه الأمة قردة و خنازير (4) فالرجعة التي نذهب إليها ما نطق به القرآن وجاءت به السنة .

 وإنني لاعتقد أن الله تعالى يرد هذا - يعني سوارا - إلى الدنيا كلبا أو قردا أو خنزيرا أو ذرة فإنه والله متجبر متكبر كافر .

 قال : فضحك المنصور وأنشد السيد يقول :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع تفسير الخازن 4 ص 174 .

 (2) أخرجه الترمذي والنسائي والمنذري في الترغيب والترهيب 3 ص 225، وابن الدبيع في تيسير الوصول 4 ص 151 .

 (3) راجع سنن ابن ماجة 2 ص 503 .

 (4) راجع سنن ابن ماجة 2 ص 489، والترغيب والترهيب 3 ص 107 .

 

 

 

/ صفحة 259 /

جــــاثيث ســــوارا أبــــا شملة * عـنــــد الإمـــــام الحاكم العادل

فــــقــــال قــــولا خــــطأ كلــــه * عـند الـــــورى الحـافي والنائل

ما ذب عـمــــا قلت من وصمة * في أهله بـل لــــج فــــي الباطل

وبان للمنــــصور صـــدقي كما * قد بان كـذب الأنـوك الجـاهــــل

يبغض ذا العرش ومن يصطفي * من رسلــــه بالنــــير الفـــاضل

ويشنأ الحــــبر الجــــواد الــذي * فضل بالفضل عــــلى الفـــاضل

ويعــــتدي بالحكــــم فــي معشر * أدوا حقوق الرســــل للـــراسل

فــــبــــيــــن الله تــــزاويــــقــــه * فصار مثـــل الهــــائم الهــــائل

قال : فقال المنصور : كف عنه . فقال السيد : يا أمير المؤمنين البادي أظلم يكف عني حتى أكف عنه . فقال المنصور لسوار : تكلم بكلام فيه نصفة، كف عنه حتى لا يهجوك . الفضول المختارة 1 ص 61 - 64 .

 وروى أبو الفرج للسيد مما أنشده المنصور في سوار القاضي قوله :

قل للإمام الذي ينجــــى بطاعــــتـه * يــــوم القيامــــة مـن بحبوحة النار

لا تستعينن جــــزاك الله صالـــــحه * يا خــــير من دب فــــي حكم بسوار

لا تستعن بخبـــيث الرأي ذي صلف * جم العيوب عــظيم الكــــبر جــــبار

تضحــــي الخــصوم لديه من تجبره * لا يرفعـون إليه لحــــظ أبــــصــــار

تيها وكبــــرا ولــــولا مــا رفعت له * من ضبعه كان عين الجائع العاري

فدخل سوار، فلما رآه المنصور تبسم وقال : أما بلغك خبر أياس (1) بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود، فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه ثم أمر السيد بمصالحته وأمره بأن يصير إليه معتذرا ففعل فلم يعذره، فقال:

أتــــيــــت دعــــي بني العـــنبر * أروم اعــــتذارا فلــــم أعـــذر

فقــــلت لنــــفسي وعــــاتبـتها * على اللؤم في فعلها: أقصري

أيعــــتذر الحــــر مــــمـــا أتى * إلــــى رجل من بني العـــنبر؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هو أياس بن معاوية بن قرة المزني البصري ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة توفي سنة 122، وحديث قبوله شهادة الفرزدق يوجد في الأغاني 11 ص 50 طبع 19 ص 50 طبع بولاق 

 

 

/ صفحة 260 /

أبــــوك ابـن سارق عنز النبي * وأمـك بــــنت أبــــي جــــحدر

ونحن على رغمك الرافضون * لأهــــل الضــــلالة والمــــنكر

قال : وبلغ السيد أن سوار قد أعد جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه، فشكاه إلى أبي جعفر، فدعا بسوار وقال له : قد عزلتك عن الحكم للسيد أو عليه، فما تعرض له بسوء حتى مات .

 7 - عن إسماعيل بن الساحر قال : تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في المفاضلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فرضيا بحكم أول من يطلع فطلع السيد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضل علي بن أبي طالب عليه السلام منهما : إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت : علي بن أبي طالب .

 فقطع السيد كلامه ثم قال : وأي شيء قال هذا الآخر ابن الزانية ؟ ! فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا .

 الأغاني ج 7 ص 241، وطبقات الشعراء لابن المعتز ص 7 عن محمد بن عبد الله السدوسي عن السيد نفسه .

 8 - في كتاب الحيوان للجاحظ ج 1 ص 91 شبه السيد ابن محمد الحميري عائشة رضي الله عنها في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيها بالهرة حين تأكل أولادها فقال:

جاءت مع الأشقين في هودج * تــزجى إلى البصرة أجــنادها

كــــأنها فـــي فعــــلها هــــرة * تــــريد أن تــــأكــل أولادهــــا

أخباره وملحه :

روى أبو الفرج وغيره شطرا وافيا من أخبار السيد وملحه ونوادره لو جمعت ليأتي كتابا ونحن نضرب عن ذكر جميعها صفحا ونقتصر منها بنبذة يسع لذكرها المجال .

 1 - روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 250 بإسناده عن رجل قال : كنت أختلف إلى إبني قيس، وكانا يرويان عن الحسن (1) فلقيني السيد يوما وأنا منصرف من عندهما، فقال : أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها .

 فأعطيته ألواحي فكتب فيها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هو أبو سعيد الحسن بن أبي يسار البصري المتوفى 110، قال ابن أبي الحديد : كان ممن قيل : إنه يبغض عليا عليه السلام ويذمه .

 

 

 

/ صفحة 261 /

لشربة من سويق عند مسغبة * وأكــــلة من ثــريد لحمه واري

أشد مما روى حــــــبا إلي بنو * قيس ومما روى صلت بن دينار

مما رواه فلان عـن فـــــلانهم * داك الذي كان يدعوهم إلى النار

2 - جلس السيد يوما إلى قوم فجعل ينشدهم وهم يلغطون . فقال :

قد ضيع الله ما جمعت من أدب * بين الحمير وبين الشاء والبقر

لا يسمعــون إلى قول أجيئ به * وكـــيف تستمع الأنعام للبشر؟!

أقول ما سكتوا : إنس فإن نطقوا * قلت : الضفادع بين الماء والشجر

3 - اجتمع السيد في طريقه بامرأة تميمية إباضية، فأعجبها وقالت : أريد أن أتزود بك ونحن على ظهر الطريق .

 قال : يكون كنكاح أم خارجة قبل حضور ولي وشهود، فاستضحكت وقالت : ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت ؟ فقال :

إن تسأليــــني بقــــومي تســألي رجلا * في ذروة العــــز مــــن أحياء ذي يمن

حــــولي بهــــا ذو كــــلاع في منازلها * وذو رعــــيــــن وهمــــدان وذو يــزن

والأزد أزد عــــمــــان الأكـــرمون إذا * عــــدت مآثــــرهم فـــي سالف الزمن

بانـــت كـــــريمتهم عــــني فــــدارهــم * داري وفي الرحب من أوطانهم وطني

لــــي منــــزلان بلحــــج منــــزل وسط * منهــــا ولــــي منــــزل للعـز في عدن

ثــــم الــــولاء الــــذي أرجو النجاة به * من كــــبة النــــار للهـــادي أبي حسن

فقالت : قد عرفناك ولا شيء أعجب من هذا يمان وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان ؟ فقال : بحسن رأيك في، تخسو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا . قالت : أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، وظهرت خفيات الأمور ؟ ؟ ! ! قال : أعرض عليك أخرى . قالت : ما هي ؟ قال : المتعة التي لا يعلم بها أحد . قالت : تلك أخت الزنا . قال : أعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان . قالت : فكيف ؟ قال : قال الله تعالى : (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) . فقالت : ألا تستخير الله وأقلدك إن كنت صاحب قياس ؟ ! قال : قد فعلت . فانصرفت معه وبات معرسا بها، وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا : تزوجت بكافر ؟ ! فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة . فكانت

 

 

/ صفحة 262 /

مدة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى افترقا .

* (قول السيد) * في صدر القصة : يكون كنكاح أم خارجة : إيعاز إلى المثل الساير : أسرع من نكاح أم خارجة .

 يضرب به في السرعة، وأم خارجة هي عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قدار بن ثعلبة كان يأتيها الخاطب فيقول : خطب .

 فتقول : نكح . فيقول : انزلي . فتقول : أنخ.

 قال المبرد : ولدت أم خارجة للعرب في نيف وعشرين حيا من آباء متفرقة، وكانت هي إحدى النساء اللاتي إذا تزوجت واحدة الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها إن شاءت أقامت وإن شاءت ذهبت، وعلامة ارتضائها للزوج أن تعالج له طعاما إذا أصبح .

 4 - قال علي بن المغيرة : كنت مع السيد على باب عقبة بن سلم ومعنا ابن لسليمان ابن علي ننتظره وقد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن علي يعرض بالسيد : أشعر الناس والله الذي يقول :

محمد خير من يمشي على قدم * وصاحباه وعــثمان بن عـــفانا

فوثب السيد وقال : أشعر والله منه الذي يقول :

سائــــل قــريشا إذا ما كنت ذاعمه * مـــن كان أثبتها في الدين أوتادا؟!

من كان أعلمها علما ؟ ! وأحلمها * حــلما ؟ ! وأصدقها قولا وميعادا؟!

إن يصدقــــوك فلـن يعدو أبا حسن * إن أنــــت لــــم تلـق للأبرار حسادا

ثم أقبل على الهاشمي فقال : يا فتى ؟ نعم الخلف أنت لشرف سلفك، أراك تهدم شرفك، وتثلب سلفك، وتسعى بالعدواة على أهلك، وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله، وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك، فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلم .

 وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد .

 5 - روى أبو سليمان الناجي : أن السيد قدم الأهواز وأبو بجير بن سماك الأسدي يتولاها وكان له صديقا، وكان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد وينشده أبا بجير، وكان أبو بجير يتشيع . فذهب السيد إلى قوم من إخوانه

 

 

/ صفحة 263 /

بالأهواز فنزل بهم وشرب عندهم فلما أمسى إنصرف، فأخذه العسس (1) فحبس . فكتب من غده بهذه الأبيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور، فدخل على أبي بجير و قال : قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به . قال : وما ذلك ؟ ! قال : اسمع هذه الأبيات كتبها السيد من الحبس، فأنشده يقول:

قــــف بالديار وحيهــــا يــــا مـربع * واسأل وكيف يجيب من لا يسمع؟!

إن الديار خــــلت وليس بجــــوهــا * إلا الضــــوايح والحــــمـــام الوقع

ولقد تكون بها أوانس كالدمى (2) * جمــــل وعــــزة والـــرباب ويوزع

حــــور نواعــــم لا تـرى في مثلها * أمثــالهـن مـن الصيــــانـة أربــــع

فعرين بعــــد تــــألف وتجـــــمــــع * والدهر صـاح - مشتت ما تجمع

فاسلــــم فإنــــك قــــد نزلت بمنزل * عــنــــد الأميــــر تـــضر فيه وتنفع

تأتــــي هــــواك إذا نطــقت بحاجة * فــــيه وتشــــفع عــــنده فيــــشفــع

قل للأميــــر إذا ظهــــرت بخــــلوة * منــــه ولــــم يـــك عنده من يسمع

: هب لي الــــذي أحببـته في أحمد * وبــــنيه إنــــك حــــاصد مـــا تزرع

يخــتص آل محــــمــــد بمحــــبــــة * في الصدر قـد طويت عليها الأضلع

ويقول فيها :

قـــم يا بن مذعــــور فـــأنشد نكسوا * خــــضع الــــرقاب بأعــــين لا ترفع

لــــولا حــــذار أبي بجيــــر أظـهروا * شنآنهــــم وتفــــرقوا وتــــصدعــــوا

لا تجزعــــوا فلقـــد صبرنا فاصبروا * سبعــــين عــــاما والأنــــوف تجـدع

إذ لا يــــزال يقوم كــــل عـروبة (3) * منكم بصاحبــــنا خــــطيب مصــــقع

مستحفــــز في غــــيــــه متــــتابــــع * فــــي الشتــــم مثــــله بخـيل يسجع

ليــــسر مخــــلوقا ويسخط خــــالقــا * إن الشــــقي بكــــل شــــر مــــولـع

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال : جنيت علي ما لا يدلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) جمع العاس من عس عسا : طاف بالليل يحرس الناس .

 (2) الدمى ج الدمية : الصورة المزينة فيها حمرة كالدم .

 (3) يوم الجمعة كان يسمى قديما : يوم عروبة ويوم العروبة . والأفصح عدم إدخال الألف واللام .

 

 

 

/ صفحة 264 /

به .

 إذهب صاغرا إلى الحبس وقل : أيكم أبو هاشم ؟ فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به .

 ففعل، فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من أخذ معه، فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال : الحمد لله الذي لم يقل : أخرجهم وأعط كل واحد منهم مالا . فما كنا نقدر على خلافه، إفعل ما أحب برغم أنفك الآن . فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن أخذ في تلك الليلة، وأتى به إلى أبي بجير : فتناوله بلسانه وقال : قدمت علينا فلم تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق، وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى . فاعتذر من ذلك إليه ؟ فأمر له أبو بجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدة .

 6 - قال أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 259 : أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال : حدثنا عمر بن شبة قال : حدثنا حاتم بن قبيصة قال : سمع السيد محدثا يحدث : إن النبي صلى الله عليه وآله كان ساجدا فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر رضي الله عنه : نعم المطي مطيكما . فقال النبي صلى الله عليه وآله : ونعم الراكبان هما . فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك .

أتــــى حــــسن والحـــسين النبي * وقــــد جــــلسا حجــــره يلعــــبـان

فـــفـداهمــــا ثــــم حــــياهــــمــــا * وكــــانا لــــديه بــــذاك المــــكـان

فــــراحا وتحتهــــما عــــاتــــقــاه * فنــعم المطــــية والــــراكــــبــــان

ولــــيــــــــــدان أمهــــمــــا بــــرة * حصــــان مطــــهــــرة للحــــسـان

وشيخهــــمــــا ابــــن أبـــي طالب * فنعم الــــوليــــدان والــــوالــــدان

خــــليلي لا تــــرجــــيا واعــــلمــا * بأن الهــــدى غــــيــر ما تزعمان

وأن عــــمى الشــــك بعـــد اليقين * وضعــــف البصيــــرة بعــد العيان

ضلال فــــلا تلجــــجا فيــــهــــمـــا * فبئست لعــــمر كمــــا الخــصلتان

أيــــرجى عــلــــي إمــــام الهـــدى * وعـثمان مــــا أعــــند المـرجيان

ويــــرجى ابن حــــرب وأشياعـــه * وهــــوج الخــــوارج بالنــــهروان

يكـــون إمامهـــــم فــــي المعـــــاد * خبيث الهوى مؤمن الشيصبان(1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الشيصبان : اسم الشيطان .

 

 

 

/ صفحة 265 /

وذكر ابن المعتز في طبقاته ص 8 أبياتا من دون ذكر الحديث وهي :

أتى حسنا والحسين الرسول * وقد برزوا ضحوة يلعبان(1)

وضمهمــــا وتفــــداهــــمــــا * وكــــان لــــديه بـذاك المكان

وطــــأطــــأ تحـــتهما عاتقيه * فنعــــم المطــــيــة والراكبان

وذكر المرزباني في أخبار السيد ستة أبيات منها ولم يذكر الحديث وزاد :

جـزى الله عنا بني هاشم * بإنعــام أحمد أعلى الجنان

فكلهــــم طيــــب طــــاهر * كريم الشمائل حلو اللسان

* (قال الأميني) * : هذه القصيدة تتضمن أحاديث وردت في الإمامين السبطين وقد تلفت جملة من أبياتها فقوله :

أتى حسن والحسين النبي * وقد جــــلسا حـجره يلعبان

إشارة إلى ما أخرجه الطبراني وابن عساكر في تاريخه 4 ص 314 عن أبي أيوب الأنصاري قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن والحسين يلعبان بين يديه في حجره فقلت : يا رسول الله ؟ أتحبهما ؟ ! فقال : كيف لا أحبهما ؟ ! وهما ريحانتي من الدنيا أشمهما .

 وعن جابر : قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما فقلت : نعم الجمل جملكما . فقال : نعم الراكبان هما . وفي لفظ : دخلت عليه والحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع يقول صلى الله عليه وآله : نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما . أخرجه ابن عساكر في تاريخ الشام 4 ص 207 .

 وقوله :

أتى حسنا والحسين الرسول * وقد بــــرزوا ضحــوة يلعبان

وبعده من أبيات إشارة إلى ما أخرجه الطبراني عن يعلى بن مرة وسلمان قالا : كنا حول النبي صلى الله عليه وآله فجاءت أم أيمن فقالت : يا رسول الله ؟ لقد ضل الحسن و الحسين وذلك راد النهار . يقول : ارتفاع النهار . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قوموا فاطلبوا إبني وأخذ كل رجل تجاه وجهة وأخذت نحو النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل حتى أتى سفح جبل وإذا الحسن والحسين يلتزق كل واحد منهما صاحبه وإذا شجاع على ذنبه

 

 

/ صفحة 266 /

يخرج من فيه شبه النار فأسرع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فالتفت مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم انساب فدخل بعض الأحجرة ثم أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما وقال : بأبي وأمي أنتما ما أكرمكما على الله . ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر فقلت : طوبا لكما نعم المطية مطيتكما . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ونعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما . الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه 7 ص 106 .

 وأخرج ابن عساكر في تاريخه 4 ص 317 عن عمر : قال : رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي فقلت : نعم الفرس راحلتكما . وفي لفظ ابن شاهين في السنة : نعم الفرس تحتكما : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ونعم الفارسان هما .

 7 - عن سليمان بن أرقم قال : كنت مع السيد فمر بقاص على باب أبي سفيان ابن العلاء وهو يقول : يوزن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة في كفة بأمته أجمع فيرجح بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح، فأقبل على أبي سفيان فقال : لعمري إن رسول الله صلى الله عليه وآله ليرجح على أمته في الفضل، والحديث حق، وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم، لأن من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (1) قال : فما أجابه أحد فمضى فلم يبق أحد من القوم إلا سبه . [ الأغاني 7 ص 271 ] .

 8 - عن محمد بن كناسة قال : أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداءا عدنيا، فكتب إليه السيد فقال :

وقــــد أتــــانا رداء من هديتكم * فلا عدمتك طول الدهر من وال

هو الجـــمال جزاك الله صالحة * لو أنــه كان مـــوصولا بسربال

فبعث إليه بخلعة تامة وفرس جواد وقال : يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا .

 9 - روى المرزباني مسندا عن الحرث بن عبيد الله بن الفضل قال : كنا عند المنصور فأمر بإحضار السيد فحضر قال : أنشدني مدحك لنا في قصيدتك الميمية التي أولها :

أتعرف دارا عفى رسمها * ..................

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرج حديث : من سن . ابن ماجة في سننه 1 ص 90 ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم .

 

 

 

/ صفحة 267 /

ودع التشبيب . فأنشده وقال :

فدع ذا وقل في بني هـاشم * فإنــــك بالله تـستعــــصــــم

بني هــــاشم حــــبكم قـربة * وحــــبكم خــــير ما يعــــلم

بكم فــتح الله بــــاب الهدى * كذاك غــــدا بــــكم يخــــتم

ألام وألــــقى الأذى فيكــــم * ألا لائــــمي فــــيكم ألــــوم

ومــــا لي ذنب يعــــدونــــه * ســــوى أنــــني بكم مغـرم

وإني لكم وامــــق نـــاصح * وإني بحــــبكــــم معــــصـم

فأصبحـــــت عندهم مأثمي * مآثر فرعــــون أو أعــــظم

فــــلا زلت عندكم مرتضى * كما أنا عــــندهم متــــهــــم

جعــــلت ثنائي ومدحي لكم * على رغم أنف الذي يرغـم

فقال له المنصور : أظنك أوديت في مدحنا كما أودى حسان بن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وما أعرف هاشميا إلا ولك عليه حق . والسيد يشكره وهو يكلمه بكلام من وصفه ما سمعته يقول لأحد مثله .

 10 - روى المرزباني في أخبار السيد بإسناده عن جعفر بن سليمان قال : كنا عند المنصور فدخل عليه السيد فقال له : أنشدني قصيدتك التي تقول فيها :

ملك ابن هند وابن أروى قبله * ملكا أمــــر بحلــــه الابـــرام

وأضــــاف ذاك إلى يزيد ملكه * إثـــم عليه في الورى وغرام

أخـــــزى الإله بني أمية إنهم * ظلموا العباد بما أتوه وحاموا

نامت جدودهم وأسقط نجمهم * والنجــــم يسقط والجدود تـنام

جزعت أمية من ولاية هاشم * وبكـت ومنهم قد بكى الاسلام

إن يجزعــوا فلقد أتتهم دولة * وبها تــــدوم عــــليكم الأيـــام

فلكـــم يكون بكل شهر أشهر * وبكــــل عــــام واحــــد أعوام

يا رهط أحمد إن من أعطاكم * ملك الــــورى وعطاؤه أقسام

رد الــــوراثة والخلافة فـيكم * وبنــــوا أمية صاغرون رغام

لمتــــمم لكــــم الذي أعطاكم * ولكــــم لــــديه زيــــادة وتمـام

 

 

/ صفحة 268 /

أنتم بـــنـــو عـــم النـــبـــي عـليكم * من ذي الجـــلال تحـــية وسـلام

وورثـــتمـــوه وكنـــتـــم أولــى به * إن الـــولاء تحـــوزه الأرحــــــام

ما زلت أعـــرف فضلكــم ويحبكم * قلبـــي عـــليــه وإنـــنـــي لغـــلام

أوذى وأشتم فيـــكم ويصيـــبـنـــي * من ذي القـــرابة جـــفوة ومـــلام

حتى بلغت مدى المشيب فأصبحت * مني القـــرون كأنهـــن ثغـــام(1)

قال : فرأيت المنصور يلقمه من كل شيء كان بين يديه ويقول : شكرا لله و لك يا إسماعيل حبك لأهل البيت صلى الله عليهم، ومدحك لهم، وجزاك عنا خيرا، يا ربيع إدفع إلى إسماعيل فرسا وعبدا وجارية وألف درهم واجعل الألف له في كل شهر .

 11 - عن الجاحظ عن إسماعيل الساحر قال : كنت أسقي السيد الحميري وأبا دلامة فسكر السيد وغمض عينيه حتى حسبناه نام فجاءت بنت لأبي دلامة قبيحة الصورة فضمها إليه ورقصها وهو يقول :

ولم ترضعك مريم أم عيسى * ولم يكـــفلك لقـــمـان الحكيم

ففتح السيد عينه وقال :

ولكن قد تضمك أم سوء * إلى لبـــاتها وأب لئـــيم"

لسان الميزان 1 ص 438 " 12 - روى شيخ الطايفة كما في أمالي ولده ص 124 بإسناده عن محمد بن جبلة الكوفي قال : اجتمع عندنا السيد بن محمد الحميري وجعفر بن عفان الطائي (1) فقال له السيد : ويحك أتقول في آل محمد عليهم السلام شرا :

ما بـــال بيتكم يخــرب سقفه * وثيابكم من أرزل الأثواب؟!

فقال جعفر : فما أنكرت من ذلك ؟ فقال له السيد : إذا لم تحسن المدح فاسكت أيوصف آل محمد بمثل هذا ؟ ! ولكني أعذرك هذا طبعك وعلمك ومنتهاك وقد قلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الثغام : شجر أبيض الزهر واحدته : ثغامة . يقال : صار الراس ثاغما . أي أبيض .

 (2) أبو عبد الله المكفوف من شعراء الكوفة له في أهل البيت مراثي استنشدها الإمام الصادق صلوات الله عليه .

 

 

 

/ صفحة 269 /

أنحو عنهم عار مدحك :

أقـــســـــــــــم بـــالله وآلائــــــه * والمـــرء عـــما قـــال مسئول

إن علي بـــن أبـــي طـــالــــــب * عـــلي التـــقى والبــــر مجبول

وإنـــه كـــان الإمـــام الــــــذي * لـه عـــلى الأمـــة تـــفضـــيـــل

يقــول بالحـــق ويعـــنـــي بـــه * ولا تـــلهـــــــيـــه الأبـــاطـــيـــل

كان إذا الحـــرب مـــرتها القنا * وأحجـــمـــت عـــنهـــا البهــاليل

يمـــشي إلـــى القرن وفي كفه * أبيض مـــاضي الحـــد مصقــول

مشي العفرني (1) بين أشباله * أبــرزه للقــــنص(2) ألغـيل(3)

ذاك الــذي سلـــم فـــي ليـــلـــة * عـــليه ميـــكـــال وجـــبـــريـــل

ميكال فـــي ألـــف وجــبريل في * ألـــف ويتـــلوهـــم ســـرافـــيل

ليلـــة بـــدر مـــددا أنـــزلــــــوا * كـــأنهـــم طـــيـــر أبـــابـــيــــــل

فـــسلمـــوا لمـــا أتـــوا حـــذوه * وذاك إعـــظـــام وتـــبـــجـــيـــل

كذا يقال فيه يا جعفر ؟ وشعرك يقال مثله لأهل الخصاصة والضعف . فقبل جعفر رأسه وقال : أنت والله الراس يا أبا هاشم .

 ونحن الأذناب . وهذا الحديث رواه أبو جعفر الطبري في الجزء الثاني من " بشارة المصطفى " عن الشيخ أبي علي ابن شيخ الطايفة عن أبيه بإسناده .

 خلفاء عصره :

أدرك السيد عشرا من الخلفاء : خمسة من بني أمية وخمسة من بني العباس وهم :

1 - هشام بن عبد الملك المتوفى 125 عن خلافة 19 سنة و 9 شهرا . ولد السيد في أول خلافته .

 2 - وليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول 126 .

 3 - يزيد بن الوليد المتوفى 126 عن ملك ستة أشهر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يقال : أسد عفرني . أي : شديد .

 (2) قنص الطير قنصا : صاده . والقنص بفتح القاف والنون : المصيدة .

 (4) الغيل : الأجمة . موضع الأسد ج أغيال وغيول .

 

 

 

/ صفحة 270 /

4 - إبراهيم بن الوليد المتوفى 127 عن ملك ثلاثة أشهر .

 5 - مروان بن محمد بن مروان الحكم المقتول 132 وبه انقرضت دولتهم .

 6 - السفاح أول من تسنم بالملك من بني العباس سنة 132 توفي 136 وللسيد فيه شعر يوجد في الأغاني، وفوات الوفيات، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 214 . وكانت جراية السيد منه كل سنة جارية ومن يخدمها، وبدرة دراهم وحاملها، وفرسا وسائسها، وتختا من صنوف الثياب وحامله .

 7 - المنصور المتوفى 158 وكان حسن الحال عنده يطلق لسانه بما أراد، و كانت جرايته للسيد كل شهر ألف درهم .

 8 - المهدي بن المنصور المتوفى 169 تورع عنه السيد في أول خلافته وهجاه فأخذ واعتذر فرضي عنه فمدحه . مر بعض أخباره معه .

 9 - الهادي بن المهدي المتوفى 170 .

 10 - الرشيد المتوفى 193 بعد ملك 23 عاما مدحه السيد بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما فبلغ ذلك الرشيد فقال : أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا .

 قال المرزباني في أخبار السيد : لما ولي الرشيد رفع إليه في السيد أنه رافضي فأحضره فقال : إن كان الرافضي هو الذي يحب بني هاشم ويقدمهم على سائر الخلق فما أعتذر منه ولا أزول عنه، وإن كان غير ذلك فما أقول به ثم أنشد :

شجــاك الحي إذ بانوا * فـــدمع العــين هتان

كأني يوم ردوا العيس * للرحـــلـــة نشـــوان

وفوق العيس إذ ولوا * بهـــا حـــور وغزلان

إذا ما قمن فالإعجاز * فـــي التشبـــيه كثبان

وما جـــاوز للأعــلى * فـــأقمار وأغــصـــان

ومنها :

عـــلـــي وأبــــــــــو ذر * ومـــقـــداد وســـلــمان

وعـــبـــاس وعـــمـــار * وعـــبــد الله إخــــــوان

دعوا فاستودعوا علما * فـــأدوه مـــا خـــانـــــوا

 

 

/ صفحة 271 /

أديـــن الله ذا الــــعـــزة * بالـــدين الـــذي دانــــوا

وعـنـــدي فـــيه إيضاح * عـــن الحـــق وبــرهان

ومـــا يجـــحـد ما قد قل‍ـ *ــت في السبطين إنـسان

وإن أنكـر ذو النصـــب * فعنـدي فـــيه عـــرفـــان

وإن عـــدوه لـــي ذنــبا * وحـــال الـوصل هجران

فـــلا كـــان لهذا الذنب * عــند القـــوم غـــفـــران

وكم عـــدت إســـاءات * لقـــوم وهـــي إحـــســان

وسري فيه يـــا داعـي * ديـــن الله إعــــــــــــــلان

فحـــبي لـــك إيـــمـــان * وميلـــي عـــنـــك كـفران

فعـــد القـــوم ذا رفضا * فـــلا عـــدوا ولا كـــانــوا

قال : فألطف له الرشيد ووصله جماعة من بني هاشم .

 صفته في خلقته :

كان السيد الحميري أسمر، تام القامة، أشنب (1) ذا وفرة (2)، جميل الوجه، رحيب الجبهة، عريض ما بين السالفتين، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه، وكان من أظرف الناس .

 قال شيبان بن محمد الحراني - وكان يلقب بعوضة من سادات الأزد - : كان السيد جاري وكان أدلم وكان ينادم فتيانا من فتيان الحي فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشفتين مزنج الخلقة . وكان السيد من أنتن الناس إبطين وكانا يتمازحان فيقول له السيد : أنت زنجي الأنف والشفتين . ويقول الفتى للسيد : أنت زنجي اللون والإبطين .

 فقال السيد :

أعارك يوم بعناه رباح (3) * مشافـــره وأنـفك ذا القبيحا

وكـــانت حـصتي إبطي منه * ولــونا حالكاً أمسى فضوحا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الشنب : البياض والبريق والتحديد في الأسنان .

 (2) الوفرة : ما جاود شحمة الأذنين من الشعر .

 (3) من أسماء العبيد .

 

 

 

/ صفحة 272 /

فهل لك في مبادلتيك إبطي * بأنفك ؟ تحمد البيع الربيحا

فإنـــك أقـــبح الفتـيان أنفا * وإبـــطي أنــتن الآباط ريحا

الأغاني 7 ص 331، أمالي ابن الشيخ ص 43 .

ولادته ووفاته :

ولد سيد الشعراء الحميري سنة 105 بعمان (1) ونشأ في البصرة في حضانة والديه الإباضيين إلى أن عقل وشعر فهاجرهما واتصل بالأمير عقبة بن سلم وتزلف لديه حتى مات والده فورثهما كما مر ص 232 - 234 ثم غادر البصرة إلى الكوفة وأخذ فيها الحديث عن الأعمش وعاش مترددا بينهما .

 وتوفي في الرميلة ببغداد في خلافة الرشيد وهذا هو المتسالم عليه وكفن بأكفان وجهها الرشيد بأخيه وصلى عليه أخوه علي بن المهدي (2) وكبر خمسا على طريق الإمامية ووقف على قبره إلى أن سطح بأمر من الرشيد ودفن في جنينة (3) ناحية من الكرخ مما يلي قطيعة الربيع (4) .

 أما سنة وفاته فقد أرخها المرزباني بسنة 173 ونقلها القاضي المرعشي في مجالسه عن خط الكفعمي (5) وقال ابن حجر بعد نقل التأريخ المذكور عن أبي الفرج : أرخه غيره سنة 178، وأرخه ابن الجوزي سنة تسع .

 روى المرزباني بإسناده عن ابن أبي حودان قال : حضرت السيد ببغداد عند موته فقال لغلام له : إذا مت فأت مجمع البصريين وأعلمهم بموتي وما أظنه يجيئ منهم إلا رجل أو رجلان ثم اذهب إلى مجمع الكوفيين فأعلمهم بموتي أنشدهم :

يا أهل كوفان إنـــي وامق لكـــــم * مذ كنت طفلا إلى السبعين والكبر

أهواكـــم وأواليكـــم وأمـــدحـــكم * حتـــما عـــلي كمحتـــوم من القدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) لسان الميزان 1 ص 438 .

 (29 فما في مجالس المؤمنين وبعض المعاجم : صلى عليه المهدي فيه تصحيف إذا المهدي توفي 169 قبل المترجم بسنين .

 (3) الجنينة تصغير الجنة وهي الحديقة والبستان .

 (4) تنسب إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور .

 (5) أحد الشعراء الغدير في القرن العاشر تأتي هناك ترجمته .

 

 

 

/ صفحة 273 /

لحــــبكم لــوصي المصطفى وكفى * بالمصطفى وبه مـــن ســائر البشر

والسيدين أولـــي الحسنى ونجلهم * سمي مــــن جاء بالآيـــات والسور

هـــو الإمــام الذي نرجو النجاة به * مـــن حـر نار على الأعداء مستعر

كتبـــت شعري إلـــيكم ســـائلا لكم * إذ كنـــت أنـــقل مـــن دار إلى حـفر

أن لا يـــليني ســواكم أهل بصرتنا * الجـــاحدون أو الحـــادون للـــبـــدر

ولا السلاطيـــن إن الظــلم حالفهم * فعـــرفهم صائـــر لا شـــك للنــكـــر

وكفـــنوني بـــياضا لا يخـــالــطـــه * شيء من الوشي أو من فاخرالحبر

ولا يشيعـــني النـــصـــاب إنـــهـــم * شـــر البـــرية مـــن أنثى ومـن ذكر

عسى الإلـــه ينجـــيني بـــرحـــمته * ومـــدحي الغـــرر الـزاكين من سقر

فإنهم ليسارعون إلي ويكبرون . فلما مات فعل الغلام ذلك فما أتى من البصريين إلا ثلاثة معهم ثلاث أكفان وعطر، وأتى من الكوفيين خلق عظيم معهم سبعون كفنا، ووجه الرشيد بأخيه علي وبأكفان وطيب، فردت أكفان العامة عليهم وكفن في أكفان الرشيد، وصلى عليه علي بن المهدي وكبر خمسا ووقف على قبره إلى أن سطح ومضى، كل ذلك بأمر الرشيد .

 وروى مجيئ الكوفيين بسبعين كفنا عن أبي العينا (1) عن أبيه وزاد : فلما مات دفن بناحية الكرخ مما يلي قطيعة الربيع .

 وفي حديث موته له مكرمة خالدة تذكر مدى الدهر، وتقرأ في صحيفة التأريخ مع الأبد .

 قال بشير بن عمار حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد فوجه رسولا إلى صف الجزارين الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فغلط الرسول فذهب إلى صف المسموسين (كذا) فشتموه ولعنوه، فعلم أنه قد غلط، فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته فوافاه سبعون كفنا قال : وحضرنا جميعا وإنه ليتحسر تحسرا شديدا وإنه وجهه لأسود كالقار وما يتكلم إلا أن أفاق إفاقة وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة (جهة النجف الأشرف) ثم قال : يا أمير المؤمنين أتفعل هذا بوليك ؟ قالها ثلاث مرات مرة بعد أخرى قال : فتجلى والله في جبينه عرق بياض فما زال يتسع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد البصري المتوفى 283 .

 

 

 

/ صفحة 274 /

ولبس وجهه حتى صار كله كالبدر وتوفي فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد " الأغاني 7 ص 277 " وقال أبو سعيد محمد بن رشيد الهروي : إن السيد اسود وجهه عند الموت فقال : هكذا يفعل بأوليائكم يا أمير المؤمنين ؟ قال : فابيض وجهه كأنه القمر ليلة البدر فأنشأ يقول :

أحــب الذي مـــن مـــات من أهل وده * تلقاه بالبـــشرى لـدى الموت يضحــك

ومـــن مـــات يهوي غيره من عــدوه * فليـــس لـــه إلا إلـــى النـــــار مسلك

أبا حـــسن أفــــديك نفــسي وأسرتــي * ومالي وما أصبحت في الأرض أملك

أبـا حـــســـن إني بفضلـــك عـــــارف * وإنــي بحــبل من هــــواك الممســـك

وأنـــت وصـي المصطفى وابن عــمه * فإنا نعـادي مبغــــضيــــك ونــــتــــرك

ولاح لحـــاني فـــي عـــلي وحـــزبـــه * فقلت : لحــــاك الله إنــــك أعــــفــــك

مـــواليك نـــاج مـــؤمن بــين الهــدى * وقاليك معــــروف الضــــلالة مشرك

رجال الكشي 185، أمالي ابن الشيخ ص 31، بشارة المصطفى . وقال الحسين بن عون : دخلت على السيد الحميري عائدا في علته التي مات فيها فوجدته يساق به ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية وكان السيد جميل الصورة رحيب الجبهة عريض ما بين السالفتين فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه يعني اسودادا فاغتم لذلك من حضره من الشيعة فظهر من الناصبة سرور وشماتة فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد بيضا وتنمي حتى أسفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكا وأنشأ يقول :

كـــذب الزاعمون : أن عليا * لــــن ينجي محبه من هنات

قــــد وربي دخلت جنة عدن * وعــفى لي الإله عن سيآتي

فـابشروا اليوم أولياء علي * وتـــولوا علي حـتى الممات

ثم من بعده تــــولوا بنــــيـه * واحــــدا بعـد واحد بالصفات

ثم اتبع قوله هذا : أشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا . وأشهد أن محمد رسول الله

 

 

/ صفحة 275 /

حقا حقا (1) وأشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا . أشهد أن لا إله إلا الله . ثم غمض عينيه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة(2) طفأت أو حصاة سقطت . أمالي الشيخ ص 43، مناقب السروي 2 ص 20، كشف الغمة ص 124 .

 تضلعه في العلم والتاريخ :

إن من يقف على موارد حجاج السيد الحميري والمعاني التي طرقها في شعره ومحاوراته مع من عاصره من رجال الفريقين، جد عليم بماله من خطوات واسعة و الشوط البعيد في فهم مغازي الكتاب الكريم وفقه السنة الشريفة، وأن تهالكه في ولاء أهل البيت عليهم السلام كان على بصيرة من أمره عن علم متدفق، ومعرفة ناضجة لا كمن يتلقى المبدء عن تقليد بحث ومدرك بسيط، ويغلب على فكره الجلبة والسخب فمن نماذج علمه ما مر ص 258 من حجاجه مع القاضي سوار في مجلس المنصور حول القول بالرجعة وإفحامه إياه بالكتاب والسنة . وما مر ص 264 .

 قال المرزباني في أخبار السيد : قيل إن السيد حج أيام هشام فلقي الكميت فسلم عليه وقال : أنت القائل :

ولا أقـــول إذا لــم يعــــطيا فــــدكا * بنــــت الـــرسول ولا ميراثه كفرا

الله يعــــلم مــــــاذا يأتيــــان بــــه * يوم القيامة من عذر إذا حضرا؟!

قال : نعم قلته تقية من بني أمية وفي مضمون قولي شهادة عليهما أنهما أخذا ما كان في يدها .

 فقال السيد : لولا إقامة الحجة لوسعني السكوت، لقد ضعفت يا هذا عن الحق، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، وإن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها . فخالفت رسول الله صلى الله عليه وآله، وهب لها فدكا بأمر الله له وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأم أيمن بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أقطع فاطمة فدكا فلم يحكما لها بذلك والله تعالى يقول : يرثني ويرث من آل يعقوب . و يقول : وورث سليمان داود . وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم الصلاة وشهادة المرأة لأبيها : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : مروا فلانا بالصلاة بالناس . فصدقت المرأة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في لفظ السروي : صدقا صدقا . وأشهد أن عليا ولي الله رفقا رفقا .

 (2) الذبالة : الفتيلة ج ذبال .

 

 

 

/ صفحة 276 /

لأبيها ولا تصدق فاطمة وعلي والحسن والحسين وأم أيمن في مثل فدك، وتطالب مثل فاطمة بالبينة على ما ادعت لأبيها، وتقول أنت مثل هذا القول .

 وبعد : فما تقول في رجل حلف بالطلاق إن الذي طلبت فاطمة عليها السلام هو حق وأن عليا والحسن والحسين وأم أيمن ما شهدوا إلا بحق ما تقول في طلاقه ؟ ! قال : ما عليه طلاق قال : فإن حلف بالطلاق إنهم قالوا غير الحق ؟ ! قال : يقع الطلاق لأنهم لم يقولوا إلا الحق . قال : فانظر في أمرك . فقال الكميت أنا تائب إلى الله مما قلت وأنت يا أبا هاشم أعلم وأفقه منا .

 وهو مع تضلعه في علمي الكتاب والسنة ومعرفته بالحجج الدينية وبصيرته بمناهج الحجاج في المذهب وإقامة الحجة على من يضاده في المبدء كان له يد غير قصير في التأريخ وله كتاب (تأريخ اليمن) ذكره له الصفدي في " الوافي بالوفيات " 1 ص 49 .

 وفي شعره الطافح بمعاني الكتاب والسنة شهادة صادقة على إحاطته بما فيها من مرامي وإشارات ونصوص وتصريحات، وكلما ازدادت الفضيلة قوة، والبرهان وضوحا، وكانت الحجة بالغة كان اعتناءه بسرد القريض فيها أكثر كحديث الغدير والمنزلة والتطهير والراية والطير وأمثالها، ومنها : حديث العشيرة الوارد في قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين .

 في بدء الدعوة النبوية فقد أشار إليه في عدة قصايد منها قوله:

بـــــأبــــي أنــــت وأمــــي * يــــا أميــــر المـــؤمنينا

بـــــأبــــي أنــــت وأمــــي * وبــــرهــــطي أجمعــينا

وبأهــــلي وبــــمــــالــــي * وبــــنــــاتــــي والبـــنينا

وفــــدتك النــــفـــس مني * يــــا إمــــام المتــــقيــنا

وأميــــن الله والــــوارث * عــــلــــم الأولــــيــــنـــا

ووصــــي المصــــطـــفى * أحــــمد خــير المرسلينا

وولــــي الحوض والذائد * عــــنــــه المــــحدثــــينا

أنت أولى الناس بالناس * وخــــير النــــاس ديــــنا

كنــــت فــــي الـدنيا أخاه * يــــوم يدعــــو الأقـربينا

ليجــيــــبــــوه إلــــى الله * فــــكانوا أربــــعــــيــــنـا

 

 

/ صفحة 277 /

بين عــــم وابــــن عــــم * حــــوله كــــانوا عـــرينا

فــــورثــــت العــــلم منه * والكــــتاب المستبــــينــا

طبــــت كهــــلا وغــلاما * ورضيعــــا وجنــــيــــنــا

ولــــدى الميـــــثاق طينا * يــــوم كــان الخلق طينا

كنــــت مأمــــونا وجـيها * عـــند ذي العرش مكينا

في حجــــاب النـــور حيا * طيــــبا للطــــاهريــنــــا

وقوله من قصيدة لم نقف على تمامها :

مــــن فضلــــه أنــــه قد كان أول من * صلى وآمــــن بالــــرحمن إذ كفـــروا

سنيــــن سبعــــا وأيامــــا محـــــرمة * مع النــــبي عــــلى خوف وما شعروا

ويــــوم قال له جــــبريل : قـد علموا * أنذر عشيرتك الأدنــــين إن بــــصـروا

فقــــام يدعــــوهم مــــن دون أمتـــه * فما تخلف عــــنــــه منهــــم بــــشــــر

فمنهــــم آكــــل في مجــــلس جــذعا * وشارب مثــــل عس (1) وهو محتضر

فصــــدهم عـــن نواحي قصعة شبعا * فيها من الحب صــــاع فوقه الوذر(2)

فــــقال : يــــا قوم إن الله أرسلـــني * إلــــيكم فــــأجيــــبـــــوا الله وادكــــروا

فأيــــكم يجتبي قــــولي ويـــؤمن بي * إنــــي نــــبي رســــول فــــانبرى غــدر

فقــــال : تــــبا أتــــدعونا لتفـــلتــــنا * عــــن ديننا ؟ ثـــم قام القوم فاشتمروا

من الذي قــــال منهم وهــــو أحدثهم * ســــنا وخــــيرهم في الذكر إذ سطروا

: آمنــــت بالله قــــد أعــــطيت نافلة * لــــم يعــــطها أحــــد جــــن ولا بـــشـر

وإن مــــا قلتــــه حــــق . ؟ ! وإنهم * إن لم يجيــــبوا فــقد خانوا وقد خسروا

ففــــاز قــــدما بها والله أكــــرمــــه * وكــــان سبــــاق غـــايات إذا ابـــتدروا

وقوله من قصيدة لم توجد بتمامها :

علي عليه ردت الشمس مرة * بطيبة يـــوم الوحي بعد مغيب

وردت له أخرى ببابل بعـد ما * عــفـــت وتدلت عينها لغروب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) العس بضم العين : القدح أو الإناء الكبير ج عساس وأعساس .

 (2) الوذرة من اللحم : القطعة الصغيرة منه ج وذر وذر .

 

 

 

/ صفحة 278 /

وقيل له : أنذر عشيرتك الأولى * وهـــم من شباب أربعين وشيب

فقـــال لهم : إنـــي رسول إليكم * ولســـت أراني عـــندكم بكــذوب

وقد جئتكم من عـند رب مهيمن * جزيل العطايا للجـــزيل وهـــوب

فأيكم يقفو مقالـي ؟ ! فأمسكوا * فقال : ألا من ناطق فمجيـــبي؟!

ففاز بها منهم عـــلي وسـادهم * وما ذاك من عـــاداته بغـــريـــب

حديث بدء الدعوة في السنة والتأريخ والأدب :

أخرجه غير واحد من الأئمة وحفاظ الحديث من الفريقين في الصحاح والمسانيد ومر عليه آخرون منهم ممن يعتد بقوله وتفكيره مخبتين به من دون أي غمز في الاسناد أو توقف في متنه .

 وتلقاه المؤرخون من الأمة الإسلامية وغيرها بالقبول، وأرسل في صحيفة التأريخ إرسال المسلم، وجاء منظوما في أسلاك الشعر والقريض وسيوافيك في شعر الناشي الصغير المتوفى 365 وغيره .

* (لفظ الحديث) * أخرج الطبري في تأريخه 2 ص 216 عن ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن العباس عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله : وأنذر عشيرتك الأقربين (1) دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا علي ؟ إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت إني متى أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاء جبريل فقال : يا محمد ؟ إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك .

 فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به .

 ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الشعراء آية 214 .

 

 

 

/ صفحة 279 /

صلى الله عليه وآله حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : خذوا بسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشئ حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال : إسق القوم .

 فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقدما سحركم صاحبكم .

 فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الغد : يا علي ؟ إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعدلنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي .

 قال : ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة ثم قال : اسقهم .

 فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا بني عبد المطلب ؟ إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، و أعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا : أنا يا نبي الله ؟ أكون وزيرك عليه .

 فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .

 وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الاسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفى 240 في كتابه نقض العثمانية (1) وقال : إنه روي في الخبر الصحيح . ورواه الفقيه برهان الدين (2) في [ أنباء نجباء الأبناء ] ص 46 - 48 . وابن الأثير في " الكامل " 2 ص 24 . وأبو الفدا عماد الدين الدمشقي في تاريخه 1 ص 116 . وشهاب الدين الخفاجي في " شرح الشفا " للقاضي عياض 3 ص 37 (وبتر آخره) وقال : ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح . والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره ص 390 . و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 ص 263 .

 (2) محمد بن محمد بن محمد بن ظفر المكي المغربي المولود 497 والمتوفى 567 / 65 .

 

 

 

/ صفحة 280 /

الحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 392 نقلا عن الطبري وفي ص 397 عن الحفاظ الستة : ابن إسحاق . وابن جرير . وابن أبي حاتم . وابن مردويه وأبي نعيم . والبيهقي . وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 ص 254 . وذكره المؤرخ جرجي زيدان في تاريخ التمدن الاسلامي 1 ص 31 . والأستاذ محمد حسين هيكل في حياة محمد ص 104 من الطبعة الأولى . ورجال السند كلهم ثقاة إلا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم فقد ضعفه القوم وليس ذلك إلا لتشيعه فقد أثنى عليه ابن عقدة وأطراه وبالغ في مدحه كما في (لسان الميزان) ج 4 ص 43، وأسند إليه وروى عنه الحفاظ المذكورون وهم أساتذة الحديث، وأئمة الأثر، والمراجع في الجرح والتعديل، والرفض والاحتجاج، ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز لمكان أبي مريم في إسناده، واحتجوا به في دلايل النبوة والخصايص النبوية .

 وصححه أبو جعفر الاسكافي وشهاب الدين الخفاجي كما سمعت وحكي السيوطي في " جمع الجوامع " كما في ترتيبه 6 ص 396 تصحيح ابن جرير الطبري له .

 على أن الحديث ورد بسند آخر رجاله كلهم ثقات كما يأتي، أخرجه أحمد في مسنده 1 ص 111 بسند رجاله كلهم من رجال الصحاح بلا كلام وهم : شريك . الأعمش . المنهال . عباد .

 وليس من العجيب ما هملج به ابن تيمية من الحكم بوضع الحديث فهو ذلك المتعصب العنيد، وإن من عادته إنكار المسلمات، ورفض الضروريات، وتحكماته معروفة، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هو تضمنه فضايل العترة الطاهرة .

 صورة أخرى :

جمع رسول الله صلى الله عليه وآله أو : دعا رسول الله صلى الله عليه وآله : بني عبد المطلب فيهم رهط كلهم يأكل الجذع ويشرب الفرق قال : فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس . أو : لم يشرب . ثم قال : يا بني عبد المطلب ؟ إني بعثت إليكم خاصة

 

 

/ صفحة 281 /

وإلى الناس عامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي ووارثي ؟ ! فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال : فقال : اجلس .

 قال : ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس .

 حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي .

 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 ص 159 عن عفان بن مسلم (الثقة المترجم له ج 1 ص 86) عن أبي عوانة (الثقة المترجم له 1 ص 78) عن عثمان بن المغيرة (الثقة) عن أبي صادق (مسلم الكوفي الثقة) عن ربيعة بن ناجذ (التابعي الكوفي الثقة) عن علي أمير المؤمنين .

 وبهذا السند والمتن أخرجه الطبري في تاريخه 1 ص 217 .

 والحافظ النسائي في " الخصايص " ص 18 .

 وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في " الكفاية " ص 89 .

 وابن أبي الحديد في [ شرح النهج ] 3 ص 255 .

 والحافظ السيوطي في [ جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 408 .

 صورة ثالثة: عن أمير المؤمنين قال : لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين .

 دعا بني عبد المطلب وصنع لهم طعاما ليس بالكثير فقال : كلوا باسم الله من جوانبها فإن البركة تنزل من ذروتها .

 ووضع يده أولهم فأكلوا حتى شبعوا ثم دعا بقدح فشرب أولهم ثم سقاهم فشربوا حتى رووا، فقال أبو لهب : لقدما سحركم .

 وقال : يا بني عبد المطلب إني جئتكم بما لم يجئ به أحد قط أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى الله وإلى كتابه .

 فنفروا وتفرقوا، ثم دعاهم الثانية على مثلها فقال أبو لهب كما قال المرة الأولى، فدعاهم ففعلوا مثل ذلك، ثم قال لهم ومد يده : من بايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي ؟ ! فمددت يدي وقلت : أنا أبايعك، وأنا يومئذ أصغر القوم عظيم البطن فبايعني على ذلك . قال : وذلك الطعام أنا صنعته . أخرجه الحافظ ابن مردويه بإسناده، ونقله عنه السيوطي في [ جمع الجوامع ] كما في الكنز 6 ص 401 .

 

 

 

/ صفحة 282 /

صورة رابعة: (بعد ذكر صدر الحديث) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا بني عبد المطلب ؟ إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة، فقال : وأنذر عشيرتك الأقربين .

 وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان : شهادة أن لا إله إلا الله . وأني رسول الله .

 فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي .

 فلم يجبه أحد منهم، فقام علي وقال : أنا رسول الله ؟ قال : اجلس .

 ثم أعاد القول على القوم ثانيا فصمتوا فقام علي وقال : أنا يا رسول الله ؟ فقال : اجلس .

 ثم أعاد القول على القوم ثالثا فلم يجبه أحد منهم فقام علي فقال : أنا يا رسول الله ؟ فقال : اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي .

 أخرجه الحافظان : ابن أبي حاتم والبغوي، ونقله عنهما ابن تيمية في (منهاج السنة) 4 ص 80، وعنه الحلبي في سيرته 1 ص 304 .

 صورة خامسة: مر ص 95 في حديث قيس ومعاوية فيما رواه التابعي الكبير أبو صادق الهلالي في كتابه عن قيس : فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبد المطلب فيهم : أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله في حجر عمه أبي طالب فقال : أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي ؟ ! فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا، فقال علي أنا يا رسول الله ؟ صلى الله عليك فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال : أللهم إملاء جوفه علما وفهما وحكما .

 ثم قال لأبي طالب:  يا أبا طالب ؟ اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى .

 صورة سادسة: أخرج أبو إسحاق الثعلبي المتوفى 427 / 37، المترجم له ج 1 ص 109 في تفسيره (الكشف والبيان) عن الحسين بن محمد بن الحسين قال : حدثنا موسى بن محمد

 

 

/ صفحة 283 /

حدثنا الحسن بن علي بن شعيب (1) العمري حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس، فأمر عليا برجل شاة فأدمها ثم قال : ادنوا بسم الله .

 فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله .

 فشربوا حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل .

 فسكت يومئذ ولم يتكلم ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب ؟ إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ثم قال : من يؤاخيني ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي يقضي ديني ؟ ! فسكت القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي : أنا فقال في المرة الثالثة : أنت .

 فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك .

 وبهذا السند والمتن أخرجه صدر الحفاظ الكنجي الشافعي في الكفاية ص 89، م - وجمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين " بتغيير يسير في لفظه ] .

صورة سابعة :

أخرج أبو إسحاق الثعلبي في - الكشف والبيان - عن أبي رافع وفيه : ثم قال إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا وخليفة في أهله، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووصيي ويكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ ! فسكت القوم فقال : ليقومن قائمكم أو ليكونن في غيركم ثم لتندمن .

 ثم أعاد الكلام ثلاث مرات فقام علي فبايعه وأجابه ثم قال : ادن مني .

 فدنا منه ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه فقال أبو لهب : فبئس ما حبوت به ابن عمك ؟ إن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا .

 فقال صلى الله عليه وآله : ملأته حكمة وعلما .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في كفاية الكنجي : شبيب .

 

 

 

/ صفحة 284 /

م وفي كتاب [ الشهيد الخالد الحسين بن علي ] تأليف الأستاذ حسن أحمد لطفي .

 قال في ص 9 : إن النبي على ما رواه كثيرون لما جمع أعمامه وأسرته لينذرهم قال لهم : فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ! فأحجم الجميع إلا علي وكان أصغرهم فقال : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه .

 فأخذ الرسول صلى الله عليه وآله برقبته ثم قال : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا ] .

 م - وفي (كتاب محمد) تأليف توفيق الحكيم ص 50 : ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ! .

 قريش : لا أحد، لا أحد .

 أعرابي : نعم لا أحد يوازرك على هذا حتى ولا كلب الحي .

 علي : أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت ] .

 وذكر الحديث الصحافي القدير عبد المسيح الأنطاكي المصري (1) في تعليقه على علويته المباركة ص 76 ولفظ الحديث فيه : فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني على القيام به يكن أخي ووزيري وخليفتي من بعدي ؟ ! فلم يجبه أحد من بني عبد المطلب إلا علي وكان أحدثهم سنا فقال : أنا يا رسول الله ؟ .

 فقال المصطفى : اجلس .

 ثم أعاد القول ثانيا فصمت القوم وأجاب علي : أنا يا رسول الله .

 فقال المصطفى : اجلس . ثم أعاد القول ثالثا فلم يكن في بني عبد المطلب من يجيبه غير علي فقال : أنا يا رسول الله . حينئذ قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي . فمضى القوم ... إلخ .

 ونظم هذه الأثارة بقوله من قصيدته المذكورة :

وتلك بعـثته الزهراء عليه صلاة * الله للـخـــــــلق عربيها وعجميها

فصـار يدعو إليها من توسم فيه * الخـــير سرا وخوف الشر يخفيها

بذا ثلاثة أعــــوام قـــــضى ولـه * قد دان بعض قريش واهتدوا فيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتي هناك ترجمته .

 

 

 

/ صفحة 285 /

وبـعــــدهـــــــا جاءه جــــبريل يــــأمـــــــره * بــــأن يجــــاهر بالاسلام مــــجــــريــــهــــا

وقال : فاصدع بأمر الله إنــــك مبعـــــــوث * لتــــــــدعــــو إليــــه الـــنــــاس تهــــديـــها

أنذر عشيرتك الدنــــيا بشـــرعـتك الغــــرا * وأظهــــــــر لهــــا أســــنــــى مـــعــانــــيها

ومــــذ تــــبلـــــــغ أمــــر الله هــــــــم بـــه * بهــــمــــة مــــا اعــــتدا الكفـــار يثــنيــــها

ولم يجــــد عــــضدا كي يستعـيــــن بـــــــه * عــــلــــى مجــــاهرة قـــد كان خــــاشيهـــا

إلا العــــلــــي فــنــــاداه وأخـــــــــبــــــــره * بــــبغــــيــــه حــــســب أمر الله باغــــيـــها

وقــــال هيــــئ لنــا فـــــي الحــال مأدبــــة * وليتــــقــــنــــن لهــــا الألــوان طاهـــيـــها

فرجل شاة على صاع الطعام واعســــاس * لهــــــــا اللــــبن الــــنوقي يــــملــــيهـــــــا

وادع الهــــواشم باسمي كـــي أشافههــــا * بــــــــأمر ربــــــــي بــــــــاري وبـــاريهــــا

قـــــام العلي بأمــــر المصطفى ودعــــــــا * إلى وليمته أكــــــــرم بــــــــداعـــــــــيهــــا

أبناء هــــاشم هــــم كــــانوا عـــشيــــرته * ولم يكــــــــن فيــــــــهم إلا ملبــــــــيـــهــــا

وعــــدهم كــــان عــــند الأربعــــــين وهم * رجالة العــــــــرب فـي إحصاء محصيهــــا

هــــذي عشــــيرة طـــه بــــل قرابته الدنيا * التي كــــــــان للاسلام راجــــــــيــــــــهــــا

وإذ أتــــته تلقــــاها عــــــــلــى رحــــــــب * ببشره وانثــــــــنى صفــــــــوا يحيـــــيهــــا

حتى إذا ما استوى فــــيها المقــــام لهــــا * مد السمــــــــاط وفــــــــيه ما يشــــهيهــــا

فأقبــــلت ورســــــــول الله يخــــدمــــهــــا * على الطعــــــــام ويعــــــــني كـي يهنيهــــا

حتــــى إذا أكــــلــــت ذاك الطعــــام ومـن * ألبانه سقــــــــيت والله كــــــــافيــــــــــهــــا

ظل الطعــــام كمــــــــــا قد كان وهو وأيم * الله مــــــــا كان يكفي مستجيعــــــــيهــــــــا

وتلك معجــــزة للمصطفــــــــى وبــــــــها * قام العلي وعـــــــــنه نحــــــــن نرويهــــــــا

وثم ابتــــدر القــــــــوم الـــرسول بذكرى * يمن بعثته يــــــــبدي خــــــــوافيــــــــهــــــــا

وإذ أبــــو لهب في الحــــــال قاطــــــــعه * وموه الحــــــــق بالتضليــــــــل تــــــــمويـها

وقــــال : يا ناس طه جــــــــاء يسحركم * بذا الطعام احــــــــذروا الاضلال والتيهــــــــا

هي انهضوا ودعـــوه أن يغش نفــــوس * الغير في هــــــــذه الدعوى ويصبـــــيهــــــــا

وهكذا ارفض ذاك الاجتماع وأنفس الجــ* ــمــــــــع داجــــــــي الكفر غـــــــاشيهــــــــا

وعــــــــاد طــــــــه إلى تـــــكرار دعوته * وكان حيـــدرة المقــــــــدام راعــــــــيهــــــــا

 

 

/ صفحة 286 /

حــتى إذا اجــــــتمعــــــت للأكـــل ثــــــانــــــية * عــــــلى الخــــــوان انثــــــنى طــــــه يفـاهيها

فقال : ما جــــــاء قبــــــلي قــــــومه أحــــــــد * بمثــــــلها جــــــئت مــــــن نعــــــماء أســديها

لكــــــم بها الخــــــير في دنــــيا وآخــــــــــــرة * إذا انــــــضويتم إلى زاهــــــي مغــــــانيهـــــــا

فمــــــن يــــــوازرني منــــــكم فــــــذاك أخــي * وذاك يخــــــلفني فــــــي رعــــــي نــــــاميهـــا

فلــــــم يجــــــد من لبــــــيب راح مقــــــتنعــــا * بصــــــدق بعــــــثــــــته أو راح راضــــــيــــها

وكلمــــــا ازداد تبــــــيانا لبعــــــثــته الزهراء * زادتــــــه تكــــــذيــــبا وتــــــسفــــــيــــــهــــــا

وثــــــم بــــــو لهــــــب نــــــاداه : ويــــــلك لم * يجــــــئ فــــــتى قــــــومه مــــــا جــــئتنا إيها

تبــــــت يــــــداه فــــــإن الجهــــــل تــــــوهـــه * والكفــــــر فــــــي دركــــــات النار تــــــتويها

وكــــــرر المصطــــــفى أقــــــواله عــــــلنــــا * وقــــــــــــد تـــــــــــوسع إنـــــــــــذارا وتنبيها

فمـــــــــــا رأى غـــــــــــير ألبــــــــاب محجرة * هيهات ليس يلين النصـــــــــــح قاسيهـــــــــــا

وأنفســـــــــــا عـــــــــــن كتاب الله معــــرضة * والكـــــــــــفر قـــــــــــد كان والاشراك معميها

وأحجـــــــــــمت كلـــــــــــها عن فيض رحمته * مـــــــــــع يمـــــــــــن دعــــــــــوته فالكل آبيها

إلا العلي فنـــــــــــادى دونها : فـــــــــــأنـــــــا * نعـــــــــــماك يا هـــــــــــادي الأكـــوان باغيها

نادى : أن اجــــــلس ثلاثا وهو يعرض دعواه * على القوم يبـــــــــــغي مستجــــــــــيبـــــــــيها

حـــــــــــتى إذا بات مـــــــــــأيوسا ومنـــزعجا * مـــــــــــن الهـــــــــــواشم معــي عن ترضيها

عـــــــــــنها تولى إلى حـــــــــيث العلي منوها * به بين ذاك الجـــــــــــمع تـــــــــــنويـــــــــــهـا

وكان ماسكـــــــــــه مـــــــــــن طـــــو