عقائد الشيعة الإمامية / الشريف المرتضى
إن العقل قد دل على وجوب الإمامة، وإن كل زمان -كلف فيه المكلفون الذين يجوز منهم القبيح والحسن، والطاعة والمعصية- لا يخلو من إمام، وأن خلوه من إمام إخلال بتمكينهم وقادح في حسن تكليفهم.
ثم دل العقل على أن ذلك الإمام لا بد من كونه معصوما من الخطأ والزلل، مأمونا منه فعل كل قبيح.
وليس بعد ثبوت هذين الأصلين (إلا إمامة) من تشير الإمامية إلى إمامته، فإن الصفة التي دل العقل على وجوبها لا توجد إلا فيه، ويتعرى منها كل من تدعى له الإمامة سواه، وتنساق الغيبة بهذا سوقا حتى لا تبقى شبهة فيها...
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 34، 35:

أما الذي يدل على وجوب الإمامة في كل زمان: فهو مبني على الضرورة، ومركوز في العقول الصحيحة، فإنا نعلم علما -لا طريق للشك عليه ولا مجال- أن وجود الرئيس المطاع المهيب مدبرا والقبيح وأدعى إلى الحسن، وأن التهارج بين الناس والتباغي إما أن يرتفع عند وجود من هذه صفته من الرؤساء، أو يقل وينزر، وأن الناس عند الاهمال وفقد الرؤساء وعدم الكبراء يتتابعون في القبيح وتفسد أحوالهم وينحل نظامهم. وهذا أظهر وأشهر من أن يدل عليه، والإشارة فيه كافية. وما يسأل عن هذا الدليل من الأسئلة قد استقصيناه وأحكمناه في الكتاب الشافي فليرجع فيه إليه عند الحاجة.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 35، 36:

(وأما الذي يدل على وجوب عصمة الإمام) فهو: أن علة الحاجة إلى الإمام هي أن يكون لطفا للرعية في الامتناع من القبيح وفعل الواجب على ما اعتمدناه ونبهنا عليه. فلا يخلو من أن تكون علة الحاجة إليه ثابتة فيه، أو تكون مرتفعة عنه. فإن كانت موجودة فيه فيجب أن يحتاج إلى إمام كما احتيج إليه، لأن علة الحاجة لا يجوز أن تقتضيها في موضع دون آخر، لأن ذلك ينقض كونها علة.
والقول في إمامته كالقول فيه في القسمة التي ذكرناها. وهذا يقتضي إما الوقوف على إمام ترتفع عنه علة الحاجة، أو وجود أئمة لا نهاية لهم وهو محال. فلم يبق بعد هذا إلا أن علة الحاجة إليه مفقودة فيه، ولن يكون ذلك إلا وهو معصوم ولا يجوز عليه فعل القبيح. والمسائل -أيضا- على هذا الدليل مستقصى جوابها بحيث تقدمت الإشارة إليه.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 36، 37:

فأما الكلام في علة الغيبة وسببها والوجه الذي يحسنها فواضح بعد تقرر ما تقدم من الأصول: لأنا إذا علمنا بالسياقة التي ساق إليها الأصلان المتقرران في العقل: أن الإمام ابن الحسن عليه السلام دون غيره، ورأيناه غائبا عن الأبصار: علمنا أنه لم يغب -مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه- إلا لسبب اقتضى ذلك، ومصلحة استدعته، وضرورة قادت إليه وإن لم يعلم الوجه على التفصيل والتعيين لأن ذلك مما لا يلزم علمه.
وجرى الكلام في الغيبة ووجهها وسببها على التفصيل مجرى العلم بمراد الله تعالى من الآيات المتشابهة في القرآن، التي ظاهرها بخلاف ما دلت عليه العقول، من جبر أو تشبيه أو غير ذلك. فكما أنا ومخالفينا لا نوجب العلم المفصل بوجوه هذه الآيات وتأويلها، بل نقول كلنا: إنا إذا علمنا حكمة الله تعالى، وإنه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات، علمنا على الجملة أن لهذه الآيات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها تطابق مدلول أدلة العقل، وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلا، فإنه لا حاجة بنا إليه، ويكفينا العلم على سبيل الجملة بأن المراد بها خلاف الظاهر، وأنه مطابق العقل.
فكذلك لا يلزمنا ولا يتعين علينا العلم بسبب الغيبة، والوجه في فقد ظهور الإمام على التفصيل والتعيين، ويكفينا في ذلك علم الجملة التي تقدم ذكرها، فإن تكلفنا وتبرعنا بذكره فهو فضل منا.
كما أنه من جماعتنا فضل وتبرع إذا تكلفنا ذكر وجوه المتشابه والأغراض فيه على التعيين.

ثم يقال للمخالف في الغيبة: أتجوز أن يكون للغيبة وجه صحيح اقتضاها، ووجه من الحكمة استدعاها، أم لا تجوز ذلك؟
فإن قال: أنَا لذلك مجوز. قيل له: فإذا كنت له مجوزا فكيف جعلت وجود الغيبة دليلا على أنه لا إمام في الزمان، مع تجويزك أن يكون للغيبة سبب لا ينافي وجود الإمام؟! وهل تجري في ذلك إلا مجرى من توصل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى، وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة، أو مجرى من توصل بظواهر الآيات المتشابهات إلى أنه تعالى مشبه للأجسام، وخالق لأفعال العباد، مع تجويزه أن يكون لهذه الآيات وجوه صحيحة لا تنافي العدل، والتوحيد، ونفي التشبيه.
وإن قال: لا أجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح موافق للحكمة، وكيف أجوز ذلك وأنا أجعل الغيبة دليلا على نفي الإمام الذي تدعون غيبته؟! قلنا: هذا تحجر منك شديد، فيما لا يحاط بعلمه ولا يقطع على مثله.
فمن أين قلت: إنه لا يجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح يقتضيها؟! ومن هذا الذي يحيط علما بجميع الأسباب والأغراض حتى يقطع على انتفائها؟! وما الفرق بينك وبين من قال: لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلة العقل، ولا بد من أن تكون على ما اقتضته ظواهرها؟!
فإن قلت: الفرق بيني وبين من ذكرتم أنني أتمكن من أن أذكر وجوه هذه الآيات المتشابهات ومعانيها الصحيحة، وأنتم لا تتمكنون من ذكر سبب صحيح للغيبة! قلنا: هذه المعارضة إنما وجهناها على من يقول: إنه غير محتاج إلى العلم على التفصيل بوجوه الآيات المتشابهات وأغراضها، وإن التعاطي لذكر هذه الوجوه فضل وتبرع، وإن الكفاية واقعة بالعلم بحكمة القديم تعالى، وإنه لا يجوز أن يخبر عن نفسه بخلاف ما هو عليه. والمعارضة على هذا المذهب لازمة.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 41، 44:
[لزوم المحافظة على أصول البحث]
فأما من جعل الفرق بين الأمرين ما حكيناه في السؤال من تمكنه من ذكر وجوه الآيات المتشابهات، فإنا لا نتمكن من ذلك! فجوابه أن يقال له: قد تركت -بما صرت إليه- مذاهب شيوخك، وخرجت عما اعتمدوه، وهو الصحيح الواضح اللائح. وكفى بذلك عجزا ونكولا. وإذا قنعت لنفسك بهذا الفرق -مع بطلانه ومنافاته لأصول الشيوخ- كلنا عليك مثله وهو: أنا نتمكن أيضا أن نذكر في الغيبة الأسباب الصحيحة، والأغراض الواضحة، التي لا تنافي الحكمة، ولا تخرج عن حدها، وسنذكر ذلك فيما يأتي من الكلام -بمشيئة الله وعونه- فقد ساويناك وضاهيناك بعد أن نزلنا على اقتراحك وإن كان باطلا.
ثم يقال له: كيف يجوز أن تجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام ما بيناه من سياقة الأصول العقلية إليها، مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح يقتضيها؟! أو ليس هذا تناقضا ظاهرا، وجاريا في الاستحالة مجرى اجتماع القول بالعدل والتوحيد مع القطع على أنه لا يجوز أن يكون للآيات الواردة ظواهرها بما يخالف العدل والتوحيد تأويل صحيح، ومخرج سديد يطابق ما دل عليه العقل؟!
أو لا تعلم: أن ما دل عليه العقل وقطع به على صحته يقود ويسوق إلى القطع على أن للآيات مخرجا صحيحا وتأويلا للعقل مطابقا، وإن لم نحط علما به، كما يقود ويسوق إلى أن للغيبة وجوها وأسبابا صحيحة، وإن لم نحط بعلمها؟!.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 44، 45:
[تقدم الكلام في الأصول على الكلام في الفروع]
فإن قال: أنا لا أسلم ثبوت أمامة ابن الحسن وصحة طريقها، ولو سلمت ذلك لما خالفت في الغيبة، لكنني أجعل الغيبة -وأنه لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح- طريقا إلى نفي ما تدعونه من إمامة ابن الحسن. قلنا: إذا لم تثبت لنا إمامة ابن الحسن عليه السلام فلا كلام لنا في الغيبة، لأنا إنما نتكلم في سبب غيبة من ثبتت إمامته وعلم وجوده، والكلام في وجوه غيبة من ليس بموجود هذيان.
وإذا لم تسلموا إمامة ابن الحسن، جعلنا الكلام معكم في صحة إمامته، واشتغلنا بتثبيتها وإيضاحها، فإذا زالت الشبهة فيها ساغ الكلام حينئذ في سبب الغيبة، وإن لم تثبت لنا إمامته وعجزنا عن الدلالة على صحتها، فقد بطل قولنا بإمامة ابن الحسن عليه السلام، واستغنى معنا عن كلفة الكلام في سبب الغيبة.
يجري هذا الموضع من الكلام مجرى من سألنا عن إيلام الأطفال، أو وجوه الآيات المتشابهات، وجهات المصالح في رمي الجمار، والطواف بالبيت، وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين. وإذا عولنا في الأمرين على حكمة القديم تعالى، وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحا، ولا بد من وجه حسن في جميع ما فعله، وإن جهلناه بعينه، وأنه تعالى لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه، ولا بد -فيما ظاهره يقتضي خلاف ما هو تعالى عليه- من أن يكون له وجه صحيح، وإن لم نعلمه مفصلا.
قال لنا: ومن سلم لكم حكمة القديم، وأنه لا يفعل القبيح؟! وإنا إنما جعلنا الكلام في سبب إيلام الأطفال ووجوه الآيات المتشابهات وغيرها طريقا إلى نفي ما تدعونه من نفي القبيح عن أفعاله تعالى.
كما أن جوابنا له: أنك إذا لم تسلم حكمة القديم تعالى دللنا عليها، ولم يجز أن نتخطاها إلى الكلام في أسباب أفعاله. فكذلك الجواب لمن كلمنا في الغيبة وهو لا يسلم إمامة صاحب الزمان وصحة أصولها.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 45، 47:
[لا خيار في الاستدلال على الفروع قبل الأصول]
فإن قيل: ألا كان السائل بالخيار بين أن يتكلم في إمامة ابن الحسن عليهما السلام ليعرف صحتها من فسادها، وبين أن يتكلم في سبب الغيبة، فإذا بان أنه لا سبب صحيحا لها انكشف بذلك بطلان إمامته؟
قلنا: لا خيار في مثل ذلك، لأن من شك في إمامة ابن الحسن عليهما السلام يجب أن يكون الكلام معه في نفس إمامته، والتشاغل في جوابه بالدلالة عليها، ولا يجوز مع هذا الشك -وقبل ثبوت هذه الإمامة- أن يتكلم في سبب الغيبة، لأن الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول.
ألا ترى: أنه لا يجوز أن يتكلم في سبب إيلام الأطفال إلا بعد الدلالة على حكمته تعالى، وأنه لا يفعل القبيح، وكذلك القول في الآيات المتشابهات. ولا خيار لنا في هذه المواضع.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 47:
والكلام في الغيبة مع الكلام في إمامة صاحب الزمان عليه السلام يجري في أنه أصل وفرع بمجرى الكلام في إيلام الأطفال، وتأويل المتشابه، والكلام في حكمة القديم تعالى، فواجب تقدم الكلام في إمامته على الكلام في سبب غيبته من حيث الأصل والفرع اللذان ذكرناهما في سبب إيلام الأطفال وغيره.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 50:
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 50:
[مزية في استعمال تلك الطريقة في بحث الغيبة]
ثم يجب تقدمه من وجه الترجيح والمزية على ما ذكره الشيوخ في الفرق بين الكلام في النبوة والكلام في طريق خبر نفي النسخ، لأنه من المعلوم.
لأن الكلام في سبب الغيبة ووجهها، فيه من الاحتمال والتجاذب ما ليس في الطريقة التي ذكرناها في إمامة ابن الحسن عليه السلام، لأنها مبنية على اعتبار العقل وسبر ما يقتضيه، وهذا بين لمن تأمله.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 51، 52:
[بيان حكمة الغيبة عند المصنف]
وإذا كنا قد وعدنا بأن نتبرع بذكر سبب الغيبة على التفصيل، وإن كان لا يلزمنا، ولا يخل الإضراب عن ذكره بصحة مذاهبنا، فنحن نفعل ذلك ونتبعه بالأسئلة التي تسأل عليه ونجيب عنها. فإن كان كل هذا فضلا منا، اعتمدناه استظهارا في الحجة، وإلا فالتمسك بالجملة المتقدمة مغن كاف.
[الغيبة استتارا من الظلمة]
أما سبب الغيبة فهو: إخافة الظالمين له عليه السلام، وقبضهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التصرف والتدبير له، لأن الإمام إنما ينتفع به إذا كان ممكنا، مطاعا، مخلى بينه وبين أغراضه، ليقوم الجناة، ويحارب البغاة، ويقيم الحدود، ويسد الثغور، وينصف المظلوم من الظالم، وكل هذا لا يتم إلا مع التمكين، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة، فإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره.
ومن هذا الذي يلزم خائفا أعداؤه عليه، وهم حنقون أن يظهر لهم وأن يبرز بينهم؟! والتحرز من المضار واجب عقلا وسمعا. وقد استتر النبي صلى الله عليه وآله في الشعب مرة، وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه.
[التفرقة بينهما في طول الغيبة وقصرها]
فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة: لأنه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع وبين الممتد المتادي، لأنه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أحوج إليه؛ جاز أن يتطاول سبب الاستتار، كما جاز أن يقصر زمانه.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 54:
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 54، 55:
[لم لم يستتر الأئمة السابقون]
فإن قيل: إن كان الخوف أحوجه إلى الاستتار، فقد كان آباؤه عندكم في تقية وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟!
قلنا: ما كان على آبائهم عليهم السلام خوف من أعدائهم، مع لزومهم التقية، والعدول عن التظاهر بالإمامة، ونفيها عن نفوسهم وإمام الزمان كل الخوف عليه، لأنه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من خالف عليه. فأي نسبة بين خوفه من الأعداء، وخوف آبائه عليهم السلام منهم، لولا قلة التأمل؟!.
[الفرق بين الغيبة وعدم الوجود]
فإن قيل: أي فرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد ولا ينتفع به بشر، وبين عدمه؟! وإلا جاز أن يعدمه الله تعالى، حتى إذا علم أن الرعية تمكنه وتسلم له أوجده، كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منهم التمكين له فيظهره؟! وإذا جاز أن يكون الاستتار سببه إخافة الظالمين، فألا جاز أن يكون الإعدام سببه ذلك بعينه؟!
قيل: ما يقطع قبل أن نجيب عن سؤالك على أن الإمام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه، لأن هذا الأمر مغيب عنا، وهو موقوف على الشك والتجويز.
والفرق بعد هذا بين وجوده غائبا من أجل التقية، وخوف الضرر من أعدائه، وهو في أثناء ذلك متوقع أن يمكنوه ويزيلوا خيفته فيظهر ويقوم بما فوض إليه من أمورهم، وبين أن يعدمه الله تعالى جلي واضح؛ لأنه إذا كان معدوما، كان ما يفوت العباد من مصالحهم، ويعدمونه من مراشدهم، ويخرمونه من لطفهم وانتفاعهم به منسوبا إليه تعالى، ومعصوبا لا حجة فيه على العباد، ولا لوم يلزمهم ولا ذم.
وإذا كان موجودا مستترا بإخافتهم له، كان ما يفوت من المصالح ويرتفع من المنافع منسوبا إلى العباد، وهم الملومون عليه المؤاخذون به. فأما الإعدام فلا يجوز أن يكون سببه إخافة الظالمين، لأن العباد قد يلجئ بعضهم بعضا إلى أفعاله.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 55، 56:
[الفرق بين استتار النبي وعدم وجوده]
على أن هذا ينقلب عليهم في استتار النبي صلى الله عليه وآله فيقال لهم: أي فرق بين وجوده مستترا وبين عدمه؟! فأي شيء قالوا في ذلك أجبناهم بمثله.
وليس لهم أن يفرقوا بين الأمرين بأن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر من كل أحد، وإنما استتر من أعدائه، وإمام الزمان عليه السلام مستتر من الجميع! وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما استتر في الغار كان مستترا من أوليائه وأعداءه، ولم يكن معه إلا أبو بكر وحده، وقد كان يجوز عندنا وعندكم أن يستتر بحيث لا يكون معه أحد من ولي ولا عدو إذا اقتضت المصلحة ذلك. وإذا رضوا لأنفسهم بهذا الفرق قلنا مثلة، لأنا قد بينا أن الإمام يجوز أن يلقاه في حال الغيبة جماعة من أوليائه وأن ذلك مما لا يقطع على فقده.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 56، 57:
فإن قيل: إن كان خوف ضرر الأعداء هو الموجب للغيبة، أفلا أظهره الله تعالى في السحاب وبحيث لا تصل إليه أيدي أعدائه فيجمع الظهور والأمان من الضرر؟!
قلنا: هذا سؤال من لا يفكر فيما يورده، لأن الحاجة من العباد إنما تتعلق بإمام يتولى عقاب جناتهم، وقسمة أموالهم، وسد ثغورهم، ويباشر تدبير أمورهم، ويكون بحيث يحل ويعقد، ويرفع ويضع، وهذا لا يتم إلا مع المخالطة والملابسة. فإذا جعل بحيث لا وصول إليه ارتفعت جهة الحاجة إليه، فصار ظهوره للعين كظهور النجوم الذي لا يسد منا خللا ولا يرفع زللا، ومن احتاج في الغيبة إلى مثل هذا السؤال فقد أفلس ولم تبق فيه مسكنة.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 57، 58:
فإن قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن سقطت عن فاعلي ما يوجبها فهذا اعتراف بنسخ الشريعة! وإن كانت ثابتة فمن يقيمها مع الغيبة؟!
قلنا: الحدود المستحقة ثابتة في جنوب الجناة بما يوجبها من الأفعال، فإن ظهر الإمام والمستحق لهذه الحدود باق أقامها عليه بالبينة أو الإقرار، وإن فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة. وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود، لأن الحد إنما تجب إقامته مع التمكن وزوال الموانع، ويسقط مع الحيلولة. وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة الحد مع التمكن وزوال الأسباب المانعة من إقامته.
ثم يقلب هذا عليهم فيقال لهم: كيف قولكم في الحدود التي تستحقها الجناة في الأحوال التي لا يمكن فيها أهل الحل والعقد من اختيار الإمام ونصبه؟! فأي شيء قالوه في ذلك قيل لهم مثله.
فإن قيل: كيف السبيل مع غيبة الإمام إلى إصابة الحق؟! فإن قلتم: لا سبيل إليه، فقد جعلتم الناس في حيرة وضلالة وريب في سائر أمورهم. وإن قلتم: يصاب الحق بأدلته، قيل لكم: هذا تصريح بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلة ورجوع إلى الحق؟!
قلنا: الحق على ضربين: عقلي وسمعي: فالعقلي يصاب بأدلته ويدرك بالنظر فيها. والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي عليه السلام ونصوصه وأقوال الأئمة من ولده عليهم السلام، وقد بينوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا منه شيئا لا دليل عليه.
غير إن هذا، وإن كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الإمام ثابتة لازمة، لأن جهة الحاجة إليه المستمرة في كل زمان وعلى كل وجه هي كونه لطفا لنا في فعل الواجب وتجنب القبيح، وهذا مما لا يغني عنه شيء، ولا يقوم مقامة فيه غيره.
فأما الحاجة إليه المتعلقة بالسمع والشرع فهي أيضا ظاهرة: لأن النقل، وإن كان واردا عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن آباء الإمام عليهم السلام بجميع ما يحتاج إليه في الشريعة، فجائز على الناقلين أن يعدلوا عن النقل، إما اعتمادا أو اشتباها، فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقلة حجة، فيحتاج حينئذ إلى الإمام ليكشف ذلك ويوضحه ويبين موضع التقصير فيه. فقد بان: أن الحاجة ثابته على كل حال، وإن أمكنت إصابة الحق بأدلته.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 58، 60:
فإن قيل: أرأيتم إن كتم الناقلون بعض مهم الشريعة واحتيج إلى بيان الإمام، ولم يعلم الحق إلا من جهته، وكان خوفه القتل، فيجب على هذا أن يكون مستمرا، كيف يكون الحال؟ فأنتم بين أن تقولوا: إنه يظهر وإن خاف القتل، فيجب على هذا أن يكون خوف القتل غير مبيح للغيبة، ويجب ظهوره على كل حال! أو تقولوا: لا يظهر، ويسقط التكليف في ذلك الشيء المكتوم عن الأمة، فتخرجوا بذلك من الإجماع، لأن الإجماع منعقد على أن شرعة النبي صلى الله عليه وآله واضحه فهو لازم للأمة إلى أن تقوم الساعة. وإن قلتم إن التكليف لا يسقط، صرحتم بتكليف ما لا يطاق، وإيجاب العلم بما لا طريق إليه.
قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال وفرعنا إلى غاية ما يترفع في كتابنا (الشافي).
وجملته: أن الله تعالى لو علم أن النقل لبعض الشريعة المفروضة ينقطع في حال تكون تقية الإمام فيها مستمرة، وخوفه من الأعداء باقيا لأسقط ذلك التكليف عمن لا طريق له إليه.
وإذا علمنا بالإجماع الذي لا شبهة فيه أن تكليف الشرائع مستمر ثابت على جميع الأمة إلى أن تقوم الساعة، ينتج لنا هذا العلم أنه لو اتفق أن ينقطع النقل بشيء من الشرائع لما كان ذلك إلا في حال يتمكن فيها الإمام من الظهور والبروز والإعلام والإنذار.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 60، 61:
فإن قيل: إذا كانت العلة في غيبته عن أعدائه خوفه منهم، فما باله لا يظهر لأوليائه، وهذه العلة زائلة فيهم؟! فإذا لم يظهر للأولياء وقد زالت عنهم علة استتاره بطل قولكم في علة الغيبة!.
قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن علة غيبته عن أوليائه لا تمنع أن يكون خوفه من أن يلقاهم فيشيعوا خبره، ويتحدثوا سرورا باجتماعه معهم، فيؤدي ذلك وإن كان ذلك غير مقصود إلى الخوف من الأعداء.
[عدم ارتضاء المصنف لهذه العلة]
وهذا الجواب غير مرضي، لان عقلاء شيعته لا يجوز أن يخفي عليهم ما في إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم، فكيف يخبرون بذلك مع العلم بما فيه من المضرة الشاملة؟! وإن جاز هذا الذي ذكروه على الواحد والاثنين، لم يجز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم. على أن هذه العلة توجب أن شيعته قد عدموا الانتفاع به على وجه لا يتمكنون من تلافيه وإزالته؛ لأنه إذا علق الاستتار بما يعلم من حالهم أنهم يفعلونه، فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي ظهور الإمام، وهذا يقتضي سقوط التكليف -الذي الإمام لطف فيه- عنهم.
[الجواب عن اعتراض المصنف]
وقد أجاب بعضهم عن هذا السؤال بأن سبب الغيبة عن الجميع هو فعل الأعداء، لان انتفاع جماعة الرعية -من ولي وعدو- بالإمام إنما يكون بأن ينفذ أمره وتنبسط يده، ويكون ظاهرا متصرفا بلا دافع ولا منازع، وهذا مما المعلوم أن الأعداء قد حالوا دونه ومنعوا منه. قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرا لبعض أوليائه، لان النفع المبتغى من تدبير الأئمة لا يتم إلا بالظهور للكل ونفوذ الأمر، فقد صارت العلة في استتار الإمام وفقد ظهوره -على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع- واحدة.
وهذا أيضا جواب غير مرضي: لأن الأعداء إن كانوا حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير، فلم يحولوا بينه وبين من شاء من أوليائه على جهة الاستتار. وكيف لا ينتفع به من يلقاه من أوليائه على سبيل الاختصاص، وهو يعتقد طاعته وفرض أتباع أوامره، ويحكمه في نفسه؟! وإن كان لا يقع هذا اللقاء لأجل اختصاصه، ولأن الإمام معه غير نافذ الأمر في الكل، ولا مفوض إليه تدبير الجميع، فهذا تصريح بأنه لا انتفاع للشيعة الإمامية بلقاء أئمتها من لدن وفاة أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام، للعلة التي ذكرت.
ويوجب أيضا أن أولياء أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته لم يكن لهم بلقائه انتفاع قبل انتقال الأمر إلى تدبيره وحصوله في يده. وهذا بلوغ من قائله إلى حد لا يبلغه متأمل.
على أنه: إذا سلم لهم ما ذكروه من أن الانتفاع بالإمام لا يكون إلا مع ظهوره لجميع الرعية، ونفوذ أمره فيهم بطل قولهم من وجه آخر، وهو: أنه يؤدي إلى سقوط التكليف -الذي الإمام لطف فيه- عن شيعته: لأنه إذا لم يظهر لهم لعلة لا ترجع إليهم، ولا كان في قدرتهم وإمكانهم إزالة ما يمنعهم من الظهور؛ فلا بد من سقوط التكليف عنهم، ولا يجرون في ذلك مجرى أعدائه، لأن الأعداء وإن لم يظهر لهم فسبب ذلك من جهتهم، وفي إمكانهم أن يزيلوا المنع من ظهوره فيظهر، فلزمهم التكليف الذي تدبير الإمام لطف فيه، ولو لم يلزم ذلك شيعته على هذا الجواب. ولو جاز أن يمنع قوم من المكلفين غيرهم من لطفهم، ويكون التكليف -الذي ذلك اللطف لطف فيه- مستمرا عليهم؛ لجاز أن يمنع بعض المكلفين غيره بقيد أو ما أشبهه من المشي على وجه لا يتمكن ذلك المقيد من إزالته، ويكون المشي مع ذلك مستمرا على المقيد.
وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وفقد اللطف، من حيث كان القيد يتعذر معه الفعل ولا يتوهم وقوعه، وليس كذلك فقد اللطف؛ لان المذهب الصحيح -الذي نتفق نحن عليه- أن فقد اللطف يجري مجرى فقد القدرة والآلة، وأن التكليف مع فقد اللطف -في من له لطف- معلوم قبحه، كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووجود المانع، وأن من لم يفعل به اللطف -ممن له لطف معلوم- غير متمكن من الفعل، كما أن الممنوع غير متمكن.
[الأولى في علة الاستتار من الأولياء]
والذي يجب أن يجاب به عن هذا السؤال -الذي قدمنا ذكره في علة الاستتار من أوليائه- أن نقول أولا [لا] قاطعين على أنه لا يظهر لجميع أوليائه، فإن هذا مغيب عنا، ولا يعرف كل واحد منا إلا حال نفسه دون حال غيره.
وإذا كنا نجوز ظهوره لهم كما نجوز خلافه: فلا بد من ذكر العلة فيما نجوزه من غيبته عنهم. وأولى ما قيل في ذلك وأقربه إلى الحق -وقد بينا فيما سلف أن هذا الباب مما لا يجب العلم به على سبيل التفصيل، وأن العلم على وجه الجملة فيه كاف-: أن نقول: لا بد من أن تكون علة الغيبة عن الأولياء مضاهية لعلة الغيبة عن الأعداء، في أنها لا تقضي سقوط التكليف عنهم، ولا تحلق اللائمة بمكلفهم تعالى، ولا بد من أن يكونوا متمكنين من رفعها وإزالتها فيظهر لهم، وهذه صفات لا بد من أن تحصل لما تعلل به الغيبة، وإلا أدى إلى ما تقدم ذكره من الفساد.
وإذا ثبتت هذه الجملة فأولى ما علل به التغيب عن الاولياء أن يقال: قد علمنا أن العلم بإمام الزمان على سبيل التعيين والتمييز لا يتم إلا بالمعجز، فإن النص -في إمامة هذا الإمام خاصة- غير كاف في تعينه، ولا بد من المعجز الظاهر على يده حتى نصدقه في أنه ابن الحسن عليه السلام. والعلم بالمعجز ودلالته على الظهور، طريقه الاستدلال الذي يجوز أن تعترض فيه الشبهة. ومن عارضته شبهة في من ظهر على يده معجز، فاعتقد أنه زور ومخرقه، وأن مظهره كذاب متقول، لحق بالأعداء في الخوف من جهته.
- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 61، 66:
فإن قيل: فأي تقصير وقع من الولي الذي لم يظهر له الإمام لأجل هذا المعلوم من حاله؟ وأي قدرة له على فعل ما يظهر له الإمام معه؟ وإلى أي شيء يفزع في تلافي سبب غيبته عنه؟
قلنا: ما أحلنا في سبب الغيبة عن الأولياء إلا على معلوم يظهر موضوع التقصير فيه، وإمكان تلافيه؛ لأنه غير ممتنع أن يكون من المعلوم من حاله أنه متى ظهر له الإمام قصر في النظر في معجزه، وإنما أتي في ذلك؛ لتقصير الناظر في العلم بالفرق بين المعجز والممكن، والدليل من ذلك وما ليس بدليل.
ولو كان من هذا الأمر على قاعدة صحيحة وطريقة مستقيمة؛ لم يجز أن يشتبه عليه معجز الإمام عند ظهوره له. فيجب عليه تلافي هذا التقصير واستداركه، حتى يخرج بذلك من حد من يشتبه عليه المعجز بغيره.
وليس لأحد أن يقول: هذا تكليف ما لا يطاق، وحوالة على غيب لا يدرك، لان هذا الولي ليس يعرف ما قصر فيه بعينه من النظر والاستدلال، فيستدركه، حتى يتمهد في نفسه ويتقرر، ونراكم تلزمونه على ما لا يلزمه؟!
والجواب عن هذا الاعتراض: أن ما يلزم في التكليف قد يتميز وينفرد، وقد يشتبه بغيره ويختلط وإن كان التمكن من الأمرين حاصلا ثابتا فالولي على هذا إذا حاسب نفسه ورأى إمامه لا يظهر له، واعتقد أن يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها؛ علم أنه لا بد من سبب يرجع إليه.
وإذا رأى أن أقوى الأسباب ما ذكرناه، علم أن تقصيرا واقعا من جهته في صفات المعجز وشروطه، فعليه حينئذ معاودة النظر في ذلك، وتخليصه من الشوائب، وتصفيته مما يقتضي الشبهة ويوجب الالتباس. فإنه متى اجتهد في ذلك حق الاجتهاد، ووفي النظر نصيبه غير مبخوس ولا منقوص؛ فلا بد له من وقوع العلم بالفراق بين الحق والباطل.
وإذا وقع العلم بذلك؛ فلا بد من زوال سبب الغيبة عن الولي. وهذه المواضع؛ الإنسان فيها على نفسه بصيرة، وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص والاستسلام للحق.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 66، 68:
[مقدمة الزيادة المكملة]
بسم الله الرحمن الرحيم قال السيد المرتضى علم الهدى قدس الله روحه، ورضي عنه وأرضاه: قد ذكرنا في كتابنا (الشافي في الامامة) ثم في كتابنا (المقنع في الغيبة) السبب في استتار إمام الزمان عليه السلام عن أعدائه وأوليائه، وخالفنا بين السببين، وبينا أن عدم الانتفاع من الجميع به لشيء يرجع إليهم، لا إليه، واستقصينا ذلك وبلغنا فيه أبعد غاية.
ثم استأنفنا في (المقنع) طريقة غريبة لم نسبق إليها، ودللنا على أنه لا يجب علينا بيان السبب في غيبته على التعيين، بل يكفي في العلم بحسن الغيبة منه علمنا بعصمته وأنه ممن لا يفعل قبيحا ولا يترك واجبا، وضربنا لذلك الأمثال في الأصول، وأن مثل ذلك مستعمل في مواضع كثيرة. وخطر ببالنا الآن ما لا بد من ذكره ليعرف، فهو قوي سليم من الشبه والمطاعن.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 73، 74:
وجملته: أن أولياء إمام الزمان عليه السلام وشيعته ومعتقدي إمامته ينتفعون به في حال غيبته النفع الذي نقول إنه لا بد -في التكليف- منه، لأنهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم، ولزومها لهم، لا بد من أن يهابوه ويخافوه في ارتكاب القبائح، ويخشوا تأديبه وانتقامه ومؤاخذته وسطوته، فيكثر منهم فعل الواجب، ويقل ارتكاب القبيح، أو يكون ذلك أقرب وأليق، وهذه هي جهة الحاجة العقلية إلى الإمام.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 74:
وكأني بمن سمع هذا من المخالفين ربما عجب وقال: أي سطوة لغائب مستتر خائف مذعور؟! وأي انتقام يخشى ممن لا يد له باسطة، ولا أمر نافذ، ولا سلطان قاهر؟! وكيف يرهب من لا يعرف ولا يميز ولا يدرى مكانه؟!
والجواب عن هذا: أن التعجب بغير حجة تظهر وبينة تذكر هو الذي يجب العجب منه وقد علمنا أن أولياء الإمام وإن لم يعرفوا شخصه ويميزوه بعينه، فإنهم يحققون وجوده، ويتيقنون أنه معهم بينهم، ولا يشكون في ذلك ولا يرتابون به؛ لأنهم إن لم يكونوا على هذه الصفة لحقوا بالأعداء، وخرجوا عن منزلة الأولياء، وما فيهم إلا من يعتقد أن الإمام بحيث لا تخفي عليه أخباره، ولا تغيب عنه سرائره فضلا عن ظواهره، وأنه يجوز أن يعرف ما يقع منهم من قبيح وحسن، فلا يأمنون إن يقدموا على القبائح فيؤدبهم عليها.
ومن الذي يمتنع منهم إن ظهر له الإمام، وأظهر له معجزة يعلم بها أنه إمام الزمان، وأراد تقويمه وتأديبه وإقامة حد عليه، أن يبذل ذلك من نفسه ويستسلم لما يفعله إمامه به، وهو يعتقد إمامته وفرض طاعته؟!.
وهل حاله مع شيعته غائبا إلا كحاله ظاهرا فيما ذكرناه خاصة، وفي وجوب طاعته، والتحرز من معصيته، والتزام مراقبته، وتجنب مخالفته. وليس الحذر من السطوة والإشفاق من النقمة بموقوفين على معرفة العين، وتمييز الشخص، والقطع على مكانه بعينه، فإن كثيرا من رعية الإمام الظاهر لا يعرفون عينه ولا يميزون شخصه، وفي كثير من الأحوال لا يعرفون مكان حلوله، وهم خائفون متى فعلوا قبيحا أن يؤدبهم ويقومهم، وينتفعون بهذه الرهبة حتى يكفوا عن كثير من القبائح، أو يكونوا أقرب إلى الانكفاف.
وإذا كان الأمر على ما أوضحناه فقد سقط عنا السؤال المتضمن لأن الإمام إذا لم يظهر لأعدائه لخوفه منهم وارتيابه بهم، فألا ظهر لأوليائه؟! وإلا؛ فكيف حرم الأولياء منفعتهم ومصلحتهم بشيء جره الأعداء عليهم؟! وإن هذا شيء ينافي العدل مع استمرار تكليف شيعته ما الإمام لطف فيه؟ لأنا قد بينا أنهم بإمامهم عليهم السلام مع الغيبة منتفعون، وأن الغيبة لا تنافي الانتفاع الذي تمس الحاجة إليه في التكليف. وبينا أنه ليس من شرط الانتفاع الظهور والبروز، وبرئنا من عهدة هذا السؤال القوي الذي يعتقد مخالفونا أنه لا جواب عنه ولا محيص منه.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 75:
[الظهور للأولياء ليس واجبا]
ومع هذا، فما نمنع من ظهوره عليه السلام لبعضهم إما لتقويم أو تأديب أو وعظ وتنبيه وتعليم، غير أن ذلك كله غير واجب، فيطلب في فوته العلل وتتمحل له الأسباب. وإنما يصعب الكلام ويشتبه إذا كان ظهوره للولي واجبا من حيث لا ينتفع أو يرتدع إلا مع الظهور. وإذا كان الأمر على خلاف ذلك سقط وجوب الظهور للولي، لما دللنا عليه من حصول الانتفاع والارتداع من دونه، فلم تبق شبهة.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 77:
[علم الإمام حال الغيبة بما يجري وطرق ذلك]
فإن قيل: ومن أين يعلم الإمام في حال الغيبة والاستتار بوقوع القبائح من شيعته حتى يخافوا تأديبه عليها، وهو في حال الغيبة ممن لا يقر عنده مقر، ولا يشهد لديه شاهد، وهل هذا إلا تعليل بالباطل؟!
قلنا: ما المتعلل بالباطل إلا من لا ينصف من نفسه، ولا يلحظ ما عليه كما يلحظ ماله!.
فأما معرفة الإمام بوقوع القبائح من بعض أوليائه فقد يكون من كل الوجوه التي يعلم منها وقوع ذلك منهم، وهو ظاهر نافذ الأمر باسط اليد.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 77:
[مشاهدته للأمور بنفسه عليه السلام]
فمنها: أنه قد يجوز أن يشاهد ذلك فيعرفه بنفسه، وحال الظهور في هذا الوجه كحال الغيبة، بل حال الغيبة فيه أقوى؛ لأن الإمام إذا لم تعرف عينه ويميز شخصه، كان التحرز من مشاهدته لنا على بعض القبيح أضيق وأبعد، ومع المعرفة له بعينه يكون التحرز أوسع وأسهل، ومعلوم لكل عاقل الفرق بين الامرين؛ لأنا إذا لم نعرفه جوزنا في كل من نراه ولا نعرف نسبه أنه هو، حتى أنا لا نأمن أن يكون بعض جيراننا أو أضيافنا أو الداخلين والخارجين إلينا، وكل ذلك مرتفع مع المعرفة والتمييز. وإذا شاهد الإمام منا قبيحا يوجب تأديبا وتقويما، أدب عليه وقوم، ولم يحتج إلى إقرار وبينة، لأنهما يقتضيان غلبة الظن، والعلم أقوى من الظن.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 78:
[قيام البينة عنده عليه السلام]
ومن الوجوه أيضا: البينة، والغيبة أيضا لا تمنع من استماعها والعمل بها؛ لأنه يجوز أن يظهر على بعض الفواحش من أحد شيعته العدد الذي تقوم به الشهادة عليها، ويكون هؤلاء العدد ممن يلقى الإمام ويظهر له فقد قلنا: إنا لا نمنع من ذلك، وإن كنا لا نوجبه فإذا شهدوا عنده بها، ورأى إقامة حدها؛ تولاه بنفسه أو بأعوانه، فلا مانع له من ذلك، ولا وجه يوجب تعذره.
فإن قيل: ربما لم يكن من شاهد هذه الفاحشة ممن يلقى الإمام، فلا يقدر على إقامة الشهادة؟
قلنا: نحن في بيان الطرق الممكنة المقدرة في هذا الباب، لا في وجوب حصولها، وإذا كان ما ذكرناه ممكنا فقد وجب الخوف والتحرز، وتم اللطف. على أن هذا بعينه قائم مع ظهور الامام وتمكنه؛ لأن الفاحشة يجوز أولا أن لا يشاهدها من يشهد بها، ثم يجوز أن يشاهدها من لا عدالة له فلا يشهد، وإن شهد لم تقبل شهادته، وإن شاهدها من العدول من تقبل مثل شهادته يجوز أن لا يختار الشهادة. وكأننا نقدر على أن نحصي الوجوه التي تسقط معها إقامة الحدود! ومع ذلك كله فالرهبة قائمة، والحذر ثابت، ويكفي التجويز دون القطع.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 78، 79:
[الإقرار عند الإمام]
فأما الإقرار: فيمكن أيضا مع الغيبة، لأن بعض الأولياء الذين ربما ظهر لهم الإمام قد يجوز أن يواقع فاحشة فيتوب منها، ويؤثر التطهير له بالحد الواجب فيها، فيقر بها عنده. فقد صارت الوجوه التي تكون مع الظهور ثابتة في حال الغيبة.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 79، 80:
فإن قيل: أليس ما أحد من شيعته إلا وهو يجوز أن يكون الإمام بعيد الدار منه، وأنه يحل إما المشرق أو المغرب، فهو آمن من مشاهدته له على معصيته، أو أن يشهد بها عليه شاهد، وهذا لا يلزم مع ظهور الإمام والعلم ببعد داره، لأنه لا يبعد من بلد إلا ويستخلف فيه من يقوم مقامه ممن يرهب ويخشى ويتقى انتقامه؟!
قلنا: كما لا أحد من شيعته إلا وهو يجوز بعد محل الإمام عنه، فكذلك لا أحد منهم إلا وهو يجوز كونه في بلده وقريبا من داره وجواره، والتجويز كاف في وقوع الحذر وعدم الأمان.
وبعد، فمع ظهور الإمام وانبساط يده، ونفوذ أمره في جميع الأمة، لا أحد من مرتكبي القبائح إلا وهو يجوز خفاء ذلك على الإمام ولا يتصل به، ومع هذا فالرهبة قائمة، واللطف بالإمام ثابت. فكيف ينسى هذا من يلزمنا بمثله مع الغيبة؟!.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 80:
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 81، 82:
فأما ما مضى في السؤال من: أن الإمام إذا كان ظاهرا متميزا وغاب عن بلد، فلن يغيب عنه إلا بعد أن يستخلف عليه من يرهب كرهبته؟ فقد ثبت أن التجويز في حال الغيبة لأن يكون قريب الدار منا، مخالطا لنا، كاف في قيام الهيبة وتمام الرهبة.
لكننا ننزل على هذا الحكم فنقول: ومن الذي يمنع من قال بغيبة الإمام من مثل ذلك، فنقول: إن الإمام لا يبعد في أطراف الأرض إلا بعد أن يستخلف من أصحابه وأعوانه، فلا بد من أن يكون له، وفي صحبته، أعوان وأصحاب على كل بلد يبعد عنه من يقوم مقامه في مراعاة ما يجري من شيعته، فإن جرى ما يوجب تقويما ويقتضي تأديبا تولاه هذا المستخلف كما يتولاه الأمام بنفسه.
فإذا قيل: وكيف يطاع هذا المستخلف؟! ومن أين يعلم الولي الذي يريد تأدبيه أنه خليفة الامام؟!. قلنا: بمعجز يظهره الله تعالى على يده، فالمعجزات على مذاهبنا تظهر على أيدي الصالحين فضلا عمن يستخلفه الإمام ويقيمه مقامه.
فإن قيل: إنما يرهب خليفة الإمام مع بعد الإمام إذا عرفناه وميزناه!.
قيل: قد مضى من هذا الزمان ما فيه كفاية. وإذا كنا نقطع على وجود الإمام في الزمان ومراعاته لأمورنا، فحاله عندنا منقسمة إلى أمرين، لا ثالث لهما: أما أن يكون معنا في بلد واحد، فيراعي أمورنا بنفسه، ولا يحتاج إلى غيره. أو بعيدا عنا، فليس يجوز مع حكمته أن يبعد إلا بعد أن يستخلف من يقوم مقامه، كما يجب أن يفعل لو كان ظاهر العين متميز الشخص. وهذه غاية لا شبهة بعدها.
فإن قيل: هذا تصريح منكم بأن ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به والخوف منه ونيل المصالح من جهته، وفي ذلك ما تعلمون!.
قلنا: إنا لا نقول: إن ظهوره في المرافق به والمنافع كاستتاره، وكيف نقول ذلك وفي ظهوره وانبساط يده وقوة سلطانه، انتفاع الولي والعدو، والمحب والمبغض؟! وليس ينتفع به في حال الغيبة الانتفاع الذي أشرنا إليه إلا وليه دون عدوه.
وفي ظهوره وانبساطه أيضا منافع جمة لأوليائه وغيرهم، لأنه يحمي بيضتهم، ويسد ثغورهم، ويؤمن سبلهم، فيتمكنون من التجارات والمكاسب والمغانم، ويمنع من ظلم غيرهم لهم، فتتوفر أموالهم، وتدر معايشهم، وتتضاعف مكاسبهم. غير إن هذه منافع دنياوية لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها، والمنافع الدينية الواجبة في كل حال بالإمامة قد بينا أنها ثابتة مع الغيبة، فلا يجب سقوط التكليف لها. ولو قلنا وإن كان ذلك ليس بواجب: أن انتفاعهم به على سبيل اللطف في فعل الواجب، والامتناع من القبيح وقد بينا ثبوته في حال الغيبة يكون أقوى في حال الظهور للكل وانبساط اليد في الجميع لجاز؛ لان اعتراض ما يفوت قوة للطف مع ثبوت أصله لا يمنع من الانتفاع به على الوجه الذي هو لطف فيه، ولا يوجب سقوط التكليف.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 82، 83:
[هل يقوم شيء مقام الإمام في أداء دوره]
فإن قيل: ألا جوزتم أن يكون أولياؤه غير منتفعين به في حال الغيبة، إلا أن الله تعالى يفعل لهم من اللطف في هذه الأحوال ما يقوم في تكليفهم مقام الانتفاع بالإمام؟! كما قاله جماعة من الشيوخ في إقامة الحدود إذا فاتت، فإن الله تعالى يفعل ما يقوم مقامها في التكليف.
قلنا: قد بينا أن أولياء الإمام ينتفعون به في أحوال الغيبة على وجه لا مجال للريب عليه، وبهذا القدر يسقط السؤال. ثم يبطل من وجه آخر، وهو: أن تدبير الإمام وتصرفه واللطف لرعيته به، مما لا يقوم عندنا شيء من الأمور مقامه. ولولا أن الأمر على ذلك لما وجبت الإمامة على كل حال، وفي كل مكلف، ولكان تجويزنا قيام غيرها مقامها في اللطف يمنع من القطع على وجوبها في كل الأزمان.
وهذا السؤال طعن في وجوب الإمامة، فكيف نتقبله ونسال عنه في علة الغيبة؟! وليس كذلك الحدود، لأنها إذا كانت لطفا، ولم يمنع دليل عقلي ولا سمعي من جواز نظير لها وقائم في اللطف مقامها، جاز أن يقال: إن الله تعالى يفعل عند فوتها ما يقوم مقامها، وهذا على ما بيناه لا يتأتى في الإمامة.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 83، 84:
فإن قيل: إذا علقتم ظهور الإمام بزوال خوفه من أعدائه، وأمنه من جهتهم: فكيف يعلم ذلك؟ وأي طريق له إليه؟ وما يضمره أعداؤه أو يظهرونه وهم في الشرق والغرب والبر والبحر لا سبيل له إلى معرفته على التحديد والتفصيل!.
قلنا: أما الإمامية فعندهم: أن آباء الإمام عليه وعليهم السلام عهدوا إليه وأنذروه وأطلعوه على ما عرفوه من توقيف الرسول صلى الله عليه وآله على زمان الغيبة وكيفيتها، وطولها وقصرها، وعلاماتها وأماراتها، ووقت الظهور، والدلائل على تيسيره وتسهيله.
وعلى هذا لا سؤال علينا، لان زمان الظهور إذا كان منصوصا على صفته، والوقت الذي يجب أن يكون فيه، فلا حاجة إلى العلم بالسرائر والضمائر. وغير ممتنع مضافا إلى ما ذكرناه أن يكون هذا الباب موقوفا على غلبة الظن وقوة الأمارات وتظاهر الدلالات.
وإذا كان ظهور الإمام أنما هو بأحد أمور: إما بكثرة أعوانه وأنصاره، أو قوتهم ونجدتهم، أو قلة أعدائه، أو ضعفهم وجورهم، وهذه أمور عليها أمارات يعرفها من نظر فيها وراعاها، وقربت مخالطته لها، فإذا أحس الإمام عليه السلام بما ذكرناه إما مجتمعا أو متفرقا وغلب في ظنه السلامة، وقوي عنده بلوغ الغرض والظفر بالإرب، تعين عليه فرض الظهور، كما يتعين على أحدنا فرض الإقدام والإحجام عند الأمارات المؤمنة والمخيفة.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 84، 85:
[هل يعتمد الإمام على الظن في أسباب ظهوره]
فإن قيل: إذا كان من غلب عنده ظن السلامة، يجوز خلافها، ولا يأمن أن يحقق ظنه، فكيف يعمل إمام الزمان ومهدي الأمة على الظن في الظهور ورفع التقية وهو مجوز أن يقتل ويمنع؟!.
قلنا: أما غلبة الظن فتقوم مقام العلم في تصرفنا وكثير من أحوالنا الدينية والدنياوية من غير علم بما تؤول إليه العواقب، غير إن الإمام خطبه يخالف خطب غيره في هذا الباب، فلا بد فيه من أن يكون قاطعا على النصر والظفر.
[الجواب على مسلك المخالفين] وإذا سلكنا في هذه المسألة الطريق الثاني من الطريقين اللذين ذكرناهما، كان لنا أن نقول: إن الله تعالى قد أعلم إمام الزمان من جهة وسائط علمه، وهم آباؤه وجده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه متى غلب في ظنه الظفر وظهرت له أمارات السلامة، فظهوره واجب ولا خوف عليه من أحد، فيكون الظن ها هنا طريقا إلى العلم، وبابا إلى القطع.
وهذا كما يقوله أصحاب القياس إذا قال لهم نافوه في الشريعة ومبطلوه: كيف يجوز أن يقدم من يظن أن الفرع مشبه للأصل في الإباحة، ومشارك له في علتها على الفعل، وهو يجوز أن يكون الأمر بخلاف ظنه؟ لأن الظن لا قطع معه، والتجويز بخلاف ما تناوله ثابت، أو ليس هذا موجبا أن يكون المكلف مقدما على ما لا يأمن كونه قبيحا؟! والإقدام على ما لا يؤمن قبحه كالإقدام على ما يعلم قبحه؛ لأنهم يقولون: تعبد الحكيم سبحانه بالقياس يمنع من هذا التجويز، لان الله تعالى إذا تعبد بالقياس فكأنه عز وجل قال: (من غلب على ظنه بأمارات، فظهر له في فرع أنه يشبه أصلا محللا فيعمل على ظنه، فذلك فرضه والمشروع له) فقد أمن بهذا الدليل ومن هذه الجهة الإقدام على القبيح، وصار ظنه أن الفرع يشبه الأصل في الحكم المخصوص طريقا إلى العلم بحاله وصفته في حقه وفيما يرجع إليه، وإن جاز أن يكون حكم غيره في هذه الحادثة بخلاف حكمه إذا خالفه في غلبة الظن. ومن هذه حجته وعليها عمدته، كيف يشتبه عليه ما ذكرناه في غلبة الظن للإمام بالسلامة والظفر؟! والأولى بالمنصف أن ينظر لخصمه كما ينظر لنفسه ويقنع به من نفسه.
- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 85، 87: